المطلع
عاجل

post-image

تونس: الأزمة الإقتصادية أولاً و السياسة تأتي لاحقاً

الكاتب: ادارة الموقع


23:02 مقالات عامة
2023-02-01
58526

يضع الرئيس التونسي قيس سعيد نصب عينيه مواجهة العناصر التي كانت فاعلة في العشرية الماضية ومحاسبتها، وهو يدعو المؤسسة العسكرية والأمنية إلى لعب دورها في خطوة تظهر أن المرحلة القادمة ستكون فيها السياسة هامشا وأن الأولوية ستكون للملف الاقتصادي.

بدأ الرئيس التونسي قيس سعيد، مباشرة بعد انتخاب البرلمان، في الكشف عن مقاربته لإدارة المرحلة القادمة، وخاصة ضبط العلاقة مع الطبقة السياسية المعارضة ومع اتحاد الشغل، وكلاهما صعّد في الفترة الماضية من حملته السياسية والإعلامية ضد الرئيس وحكومته.

من الواضح أن شعار الرئيس سعيد في المرحلة القادمة سيعتمد على فكرة أن تونس لا يضيرها أن تدخل السياسة غرفة الإنعاش، المهم هو إدارة الأزمة الاقتصادية وتحقيق انتظارات الناس ولو بالحد الأدنى.

الكلمة التي ألقاها سعيد بحضور قيادات عليا للحرس الوطني (قوات تابعة لوزارة الداخلية) في ثكنة العوينة بتونس العاصمة حملت علامة واضحة على المرحلة القادمة، فهو لا يريد تكرار لعبة الحوار الوطني التي يتمسك بها اتحاد الشغل، وهي لعبة تطيل الأزمات وتلتف عليها، وتعيد إنتاج منظومة 24 يوليو بكل مكوناتها السياسية والمؤسساتية.

وسعيد بذلك لا يريد تكرار تجربة التوازنات مع الأحزاب واتحاد الشغل والمنظمات التي اعتمدها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، والتي حملت عنوان التوافق، وهي إستراتيجية قامت على تعويم الخلافات وبناء تحالفات انتهازية سرعان ما تفجرت لاحقا، وخلفت وراءها تعقيدات كثيرة خاصة أنها غطت على لوبيات الفساد وسمحت لها بالتمدد في كل الاتجاهات، وظهرت نتائجها بصفة خاصة في الفترة الأخيرة من خلال ظاهرة الاحتكار التي طالت المواد الأساسية، ومن تحكم في السوق قاد إلى ارتفاع الأسعار والمس من قدرات الفئات المتوسطة والضعيفة.

ويبدو أن الرئيس التونسي لم يعد يتحمل الحملات التي تقوم ضده، بعد أن تحملها لأشهر عديدة، ويريد أن يضع لها حدا بمواجهة أصحابها، ولهذا وجه خطابا علنيا للتونسيين بحضور قادة المؤسسة العسكرية والأمنية ليضع الجميع في الصورة وتأكيد أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة وأنه لا يمكن لأحد أن يتجاوز عليه، وأن فترة سكوته عن الحملات كانت اختيارا منه وليس علامة ضعف أو خوف.

وحمّل سعيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وكذلك من أسماهم بالقضاة الشرفاء، مسؤوليتهم الواضحة في حماية مؤسسات الدولة، وهو يقصد توجيه رسالة للمعارضين ولاتحاد الشغل مفادها أنه ليس وحده، وأن المؤسسات السيادية تقف إلى جانبه، في رد مباشر على دعوات تحريض طالبت المؤسسة العسكرية والأمنية بالتزام الحياد والنأي بنفسها عن سعيد، في ظل حملة منظمة من المعارضة تطالب بالاستعداد لمرحلة ما بعد سعيد، وسط دعوات إلى انتخابات رئاسية مبكرة كان آخرها ما جاء على لسان رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي.

وتوجه سعيد إلى قيادات الحرس الوطني قائلا إن “الشعب يريد المحاسبة ومطلبه الأساسي المحاسبة ودوركم تاريخي في الاستجابة لمطالب الشعب”.

وأضاف سعيد “واجبكم المقدس أن تتم محاسبة كل من أجرم في حق الوطن (…) ولا يمكن أن يُترك مجرم واحد دون مساءلة.. اليوم نخوض معركة تحرير وطني للحفاظ على الدولة وكفى من يستخفون بالدولة ما اقترفوه من جرائم وما يدبرونه من جرائم في المستقبل”.

وتابع “عليكم (قيادات الحرس الوطني) وعلى القضاة الشرفاء أن تقوموا بدوركم كاملا حتى يتم التصدي لمن تآمر على الدولة في السنوات الماضية، وما زالوا إلى حد هذه الساعة يتآمرون على الدولة”.

ويظهر هذا الخطاب أن المرحلة القادمة، والتي قد تبدأ خلال أيام، سيتم فيها فتح ملفات الخصوم السياسيين، وخاصة ممن حكموا خلال العشرية الماضية، وتحميلهم وضعية ما وصلت إليه البلاد من أزمات.

ومن الواضح أن الاستنجاد بالمؤسسة العسكرية على وجه الخصوص الهدف منه أن تأخذ الملف القضائي بيدها في ظل ما يعتبره الرئيس تباطؤا للقضاء العادي في تسريع محاكمة من تحيلهم وزيرة العدل على المحكمة.

يشار إلى أن المعارضة لديها تقاليد كبيرة في إدارة المعركة مع السلطة على مستوى القضاء العادي، وأي إحالة لقيادي حزبي من أي جهة تقابل بتحشيد كبير مهنيا وإعلاميا، وتفتح الأعين على تفاصيل الملف والتهم الموجهة إليه، مع شبكة كبيرة من المحامين المتخصصين الذين يتسابقون للترافع من قضية إلى أخرى، وعادة ما ينجحون في تحويل القضية من بعدها القضائي إلى بعد سياسي يزعج السلطة أكثر مما يخدمها.

في المقابل، القضاء العسكري حاسم ولا يقرأ أي حساب لهذه التفاصيل ويصدر أحكامه بقطع النظر عن الاعتراضات والمرافعات التي تصدر على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يهمه هو الملفات التي أمامه.

والقضاء العسكري حل، ولكنه حل مكلف سياسيا محليا وخارجيا، مع وجود تقاليد لدى المعارضة، وخاصة حركة النهضة، في استثمار المحاكمات العسكرية خارجيا ضمن شبكات حقوقية وإعلامية جاهزة لتقف آليا ضد السلطة بقطع النظر عن مشروعية ما تقوله من عدمها.

ولا يقف التصعيد الذي ينوي سعيد البدء به عند السياسيين، فهناك مؤشرات على أنه سيواجه الإضرابات والاعتصامات بحزم أكبر.

وأكدت صحيفة ”الشعب نيوز” الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل الثلاثاء إيقاف كاتب عام نقابة الطرقات السيارة أنيس الكعبي على خلفية ما أشار إليه سعيد في اجتماع العوينة من غلق الطريق السيارة تحت غطاء ممارسة العمل النقابي، مشددا على أن هذا الحق وإن كان مكفولا ولكنه لا يجيز أبدا مثل هذه الممارسات.

وتقول أوساط سياسية تونسية إن مسار المحاكمات، خاصة العسكرية، قد يستدرج سعيد إلى المربع الحقوقي الذي تتقنه المعارضة ويحتاج إلى جهود وخطط ستأخذ الكثير من الاهتمام والوقت، فيما يريد الرئيس سعيد أن يقنع الشارع التونسي بأن لديه حلولا لأزماته، وأن مرحلة ما بعد استكمال بناء المؤسسات ستكون للملف الاقتصادي.

وترى هذه الأوساط أن استمرار الرئيس سعيد في التركيز على البعد السياسي، وردوده المستمرة على الخصوم في كل مناسبة، ليس في صالحه، وأن عليه أن يولي الملف الاقتصادي الأهمية اللازمة سواء استمر في التصعيد مع خصومه أم لا.

الآن سيكون الشارع التونسي متابعا وبدقة للخطوات التي تقطعها الحكومة في إدارة الأزمة الاقتصادية. صحيح أنه وقف مع الرئيس في معاركه مع المعارضة ومع اتحاد الشغل، وما يزال ميالا لمسار 25 يوليو، لكن الأزمة لا تنتظر.

وهذا يستدعي من حكومة نجلاء بودن أن تتحرك بقوة لإدارة مختلف الملفات، وعلى رأسها الإصلاحات الاقتصادية الضرورية من أجل تأمين دعم صندوق النقد، وفي نفس الوقت البحث عن بدائل أخرى تساعد على الاستفادة من قرض الصندوق بدل الاضطرار لإنفاقه في سد الفجوات الكثيرة في المالية العمومية.

وتحتاج الحكومة إلى أن تشعر بخطورة المرحلة، خاصة أن قانون المالية ستكون نتائجه قاسية على الناس، والأحرى أن تتحرك الحكومة للتحكم في الإنفاق العام، وأن يطال التقشف مختلف الوزارات، بما في ذلك رئاسة الوزراء والإدارات الحكومية المختلفة، وفرض تقشف حقيقي على السيارات الإدارية وكوبونات البنزين حتى يشعر التونسيون أن التقشف هو توجه رسمي حقيقي، وليس فقط تحميل المواطن أعباء إضافية، وكأنه هو الوحيد المعني بحل الأزمة.

الكاتب: مختار الدبابي
المصدر: صحيفة العرب

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 2184
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 3320
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 6273
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 4166
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 7771
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 5817
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 4962
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 5392
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 7043
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 6529
أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

2026-10-27 12:18 6214
أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

2026-10-27 12:08 4826
ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

2026-10-27 11:09 6545
طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-27 10:10 7550
تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

2026-10-27 08:18 5680
تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

2026-10-27 08:11 5947
التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

2026-10-27 00:14 10861
بالوثيقة.. رئيس الوزراء ينهي عقود 69 مستشاراً في مكتبه

بالوثيقة.. رئيس الوزراء ينهي عقود 69 مستشاراً في مكتبه

2026-10-27 00:12 12609