المطلع
عاجل

post-image

تونس الخضراء... هل تعود؟

الكاتب: ادارة الموقع


23:08 مقالات عامة
2021-08-01
75358

عقد مضى من الزمان مرت فيه تونس الخضراء بجميع ألوان الدهر وصروفه إلا الأخضر، فمرت بالأحمر القاني دماءً وإرهاباً، وعبرت الأسود القاتم فوضى وتخريباً، وقد ضمنت استمرار ذلك كله «حركة النهضة» الإخوانية تحت قيادة المراقب الإخواني العتيد راشد الغنوشي، وحين بلغ السيل الزبى، وكادت الدولة التونسية تنهار، انتفض الشعب التونسي مع الرئيس قيس سعيد، بقراراتٍ تاريخيةٍ قد تعيد تونس خضراء مجدداً إذا نجح المسعى وتحققت الغاية.
حدثٌ مهمٌ في ظل انتعاش «الزمن الأصولي» في المنطقة، وهو يسير عكس اتجاه الأحداث، ويحتاج لكثيرٍ من المواقف السياسية المؤيدة، بخاصة من الدول العربية القائدة والرائدة التي واجهت «الربيع الأصولي» أو ربيع «استقرار الفوضى»، وراهنت على «استقرار الدولة» ووعي الشعوب، ورفضت الحلف الأصولي مع اليسار الليبرالي الغربي، ونجحت في رهانها، وعادت مصر، واستقرت البحرين، وتوقف المد، وإنْ إلى حين.
بدا الرئيس قيس سعيد، منذ إعلانه اضطراره لإنقاذ الدولة التونسية وإعادة بناء المنظومة السياسية في البلاد، وما تلاه من قراراتٍ حازمة، قانونياً محترفاً وسياسياً رصيناً يسعى لاستقرار الدولة وفرض سيادتها وهيبتها، ويعيد ترسيخ الأمن وتفعيل القانون، لا مجرد ثوري متحمس يطلق الشعارات الجوفاء والمزايدات الفارغة، علاوة على أن يكون «انقلابياً» كما هي التهمة السخيفة التي تبنتها «حركة النهضة» و«قنوات الأخبار» الداعمة لها وبعض «الدول» المعروفة بدعمها لربيع الأصولية والفوضى في العالم العربي من قبل.
خطاب «حركة النهضة» الإخوانية في ردة فعله عاد إلى الخطاب القديم نفسه إبان ما كان يعرف بـ«الربيع العربي»، فهو يهدد من طرف خفي بالفوضى والإرهاب ويهدد أوروبا بنصف مليون مهاجر، كما تحدث الغنوشي الذي يهدد الجميع بعودة «النظام القديم»، ونسيت «النهضة» ونسي الغنوشي أنها هي «النظام القديم» حالياً، وهي المتسلطة الظالمة الفاسدة، وهي السبب الأكبر في دفع الدولة التونسية إلى الفشل.
تحرك الشعب التونسي بشكل واسعٍ تأييداً ودعماً للرئيس قيس سعيد الذي كان تحركه من البداية استجابة لمطالب هذا الشعب وطموحاته، وامتلأت الشوارع وانطلقت الشعارات المؤيدة للرئيس والساخطة على الفاسدين والمتطرفين، وقد وقف الجيش التونسي والمؤسسات الأمنية موقفاً موحداً ومتماسكاً مع الرئيس والشعب التونسي، وتوحيد الجبهة الداخلية بالغ الأهمية في مثل هذه اللحظة التاريخية.
بعد عقدٍ من الزمن أصبح الشعب التونسي يعرف خصومه جيداً، وكانت بعض الشعارات التي أطلقت لافتة في مضمونها فقد أخذت مجموعة من الشعب تردد في الساحات «يا غنوشي يا سفاح يا قاتل الأرواح»، في تعبير يكثف خبرة هذا الشعب ومعرفته الجيدة بمن أوصل تونس الخضراء لهذا المصير.
المواقف الدولية جاءت متزنة، وابتعدت عن الحماسة التي اندفعت خلفها قبل عقدٍ من الزمن، فعبرت الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول عن تفهمها للسياسات والقرارات التي اتخذها الرئيس التونسي، ورفضت تهمة «الانقلاب» السخيفة علناً ما يشير إلى عودة للعقلانية والواقعية السياسية بعد تجربة مريرة حدثت قبل عشر سنواتٍ ودفع ثمنها الملايين من البشر في الدول العربية.
هل هذا يعني أن «حركة النهضة» انتهت؟ وأن جماعة «الإخوان» في تونس ذهبت بلا رجعة؟ أبداً، فالحركة ما زالت موجودة وفاعلة و«الإخوان» ما زالوا ناشطين هناك، ولكنها تعني أن تونس أمام فرصة تاريخية للانعتاق من ظلام الحكم الأصولي ووهاد الفوضى إلى بناء مستقبلٍ أفضل للدولة والشعب، وهي خطوة أولى مهمة في الاتجاه الصحيح، ومن الخطأ والخطل اعتبار الخطوة الأولى نهاية للأصولية ونجاحاً للدولة.
منذ اغتيال حسن البنا مؤسس جماعة «الإخوان» في 1949، وضرب الجماعة في مصر بعد حادثة المنشية 1954، وبعد ضرب تنظيم سيد قطب في 1965، وبعد كل حادث من هذه الحوادث، كانت الحماسة والعجلة تأخذ بعض المثقفين والصحافيين فيعلنون «نهاية الإخوان» والقضاء على الأصولية والإرهاب، ثم حين تعود الجماعة إلى قوتها وخطورتها لا يراجعون أنفسهم وأفكارهم، بل يقلبون الصفحة وينطلقون من جديد معتمدين على قصر ذاكرة الجمهور، وهو ما منع من تراكم وترسيخ وعي مجتمعي بطبيعة هذه الجماعات الآيديولوجية وقلل من شأن قدراتها التنظيمية والاقتصادية، وهو ما ساهم في عودتها مرة بعد مرة.
تونس أمام مهمة صعبة ومعقدة وستستمر لسنواتٍ مقبلة، والشعب التونسي بحاجة ماسة لإعادة تفعيل القوانين وفرض هيبة الدولة وفتح الملفات المغلقة لسنواتٍ، والإشارة الواضحة لكل جريمة وكل مسؤول عنها ليعرف الناس ما كانت تتم تعميته وتضليل الناس حوله في قضايا مصيرية في حياة الدول والشعوب.
يتذكر الجميع أنه في لحظة «الربيع العربي» بمصر كانت الجرائم الإرهابية ترتكب ضد المواطنين والمؤسسات ورجال الأمن ومقراته، وكانت تتم تحت غطاء الثورة لنشر الفوضى وزعزعة كيان الدولة، واليوم تعرض المحاكم المصرية، وبالتفاصيل، كيف خططت جماعة «الإخوان» لكل جريمة ومن أمر بها ومن شارك في تنفيذها، وتصدر الأحكام المبرهنة بالأدلة القاطعة، وهو ما يجب أن يتم في تونس إن أرادت العودة لدخول التاريخ مجدداً.
الفساد العريض والإرهاب ونشر الفوضى جرائم كبرى، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتركيز الرئيس سعيد على استعادة الأموال المنهوبة هو واحدٌ من العوامل المهمة التي توضح للشعب أنه عازمٌ على تصحيح المسار وإعادة بناء الدولة.
السعودية قدمت دعماً كبيراً للدولة التونسية لمواجهة جائحة «كورونا»، ووزير الخارجية السعودي، زار تونس والتقى الرئيس سعيد، وفي بيان الخارجية السعودية تم التأكيد على أنها «تحترم كل ما يتعلق بالشأن الداخلي التونسي وتعده أمراً سيادياً، لتؤكد وقوفها إلى جانب كل ما يدعم أمن واستقرار الجمهورية التونسية الشقيقة، كما تؤكد ثقتها بالقيادة التونسية في تجاوز هذه الظروف، وبما يحقق العيش الكريم للشعب التونسي الشقيق وازدهاره، وتدعو المجتمع الدولي إلى الوقوف إلى جانب تونس في هذه الظروف لمواجهة تحدياتها الصحية والاقتصادية».
أخيراً، فالدعم السعودي لتونس قديم منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز، وتحدث الرئيس التونسي الباجي السبسي، عن ذلك في قناة «العربية» موثقاً للتاريخ بالقول: «قال الملك عبد العزيز لبورقيبة لا تفعل مثل بقية العرب.. العرب يتجاهلون الخلافات ثم ينهزمون، وقال له: إنه لمجابهة فرنسا عليه باعتماد خطة الكر والفر والمراحل».

المصدر: الشرق الأوسط 
الكاتب: عبدالله بن بجاد العتيبي
 

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

2026-10-28 00:19 1177
أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

2026-10-27 22:49 3722
لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 3059
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 3583
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 4458
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 8919
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 5043
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 9390
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 6531
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 5450
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 6291
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 8172
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 7022
أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

2026-10-27 12:18 6774
أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

2026-10-27 12:08 5182
ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

2026-10-27 11:09 7169
طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-27 10:10 8231
تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

2026-10-27 08:18 6500