المطلع
عاجل

post-image

إيران تتحدى القوة الأمريكية: الصمود والممر الاستراتيجي كرمزين للتوازن الجديد


14:04 تقارير عربية ودولية
2026-03-26
75398

تحولت الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، منذ بداياتها إلى اختبار استثنائي لطبيعة القوة والقدرة على الصمود في عصر يزداد فيه تعقيد الصراعات الدولية بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والتقنيات العسكرية، ولم تعد المعركة مجرد مواجهة تقليدية تُقاس بعدد الضربات أو حجم الخسائر، بل أصبحت مقياسًا لفهم كيفية إدارة الدول الصراعات، وتحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي، أو على الأقل السيطرة على نتائج الحرب.

ومنذ انطلاق العمليات، راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضربات الجوية المكثفة، والاغتيالات المستهدفة للقيادات البارزة، والضغط العسكري المتواصل سيكون كافيًا لإجبار إيران على الانخراط سريعًا في اتفاق تفاوضي أو القبول بشروط سياسية أمريكية إسرائيلية.

ومع ذلك، أظهرت تقارير نيوزويك، وواشنطن بوست، وتلغراف، ونيويورك تايمز أن الواقع كان أكثر تعقيدًا من هذه التوقعات، وأن إيران لم تُظهر أي ميول للتراجع السريع، بل عملت على رفع كلفة الحرب على خصومها، وتحويل الصمود إلى مكسب معنوي وسياسي.
مضيق هرمز: قلب الصراع الاستراتيجي
يبرز مضيق هرمز كعامل استراتيجي أساسي، ليس فقط كمسار ملاحي لنقل النفط، بل كأداة ضغط يمكنها التأثير في الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، وتحويل النزاع العسكري إلى لعبة معقدة من التكلفة الاقتصادية والسياسية. فعلى الرغم من تهديد السفن التجارية وعمليات التفتيش التي فرضتها إيران، لم تتوقف الحركة التجارية بشكل كامل، ما منح طهران مساحة للمناورة والسيطرة على تداعيات الحرب على المستوى الإقليمي والدولي، وفق تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وقائد القوة الجو فضائية في الحرس الثوري الإيراني، والمتحدث العسكري الإيراني، بالإضافة إلى المصادر الإقليمية والعمانية التي أشارت إلى جهود ضمان المرور الآمن في الخليج.
كما أوردت واشنطن بوست أن هذا الضغط لم يُستغل لكسر إرادة النظام الإيراني، بل أتاح له توسيع نطاق المناورة، ورفع تكلفة الحرب على الخصوم، وتحويل الضربات العسكرية إلى فرصة لتقوية الموقف التفاوضي والسياسي لطهران، وهو ما انعكس في الاستخدام الذكي للصواريخ والطائرات المسيّرة اليومية ضد مواقع إسرائيلية وأمريكية، وفق نيوزويك، ووفق ما أشار إليه المراسل العسكري جيانلوكا دي فيو في صحيفة "La Repubblica" الإيطالية عن استمرار اختراق الذخائر العنقودية للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية ونقص مخزون صواريخ Arrow 3.
الفشل في التقدير العسكري والسياسي
رغم الضربات المكثفة، واستهداف القيادات البارزة، لم تتحقق أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل المعلنة أو المتوقعة: لم يتم إسقاط النظام الإيراني، ولم تُفرض تسوية سياسية سريعة. بل على العكس، أظهرت إيران قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات، وإعادة ترتيب حساباتها، واستغلال كل رد فعل لتعزيز موقفها الداخلي والخارجي، وفق نيوزويك وتلغراف.
أكد المسؤول العسكري الإسرائيلي أوفير أكونيس أن مجرد استمرار الدولة الإيرانية في العمل يعتبر "انتصارًا"، بالنظر إلى حجم إيران مقارنة بإسرائيل، إذ تبلغ مساحة إيران نحو 80 ضعف مساحة إسرائيل تقريبًا نصف حجم أوروبا، وتمتلك جهازًا أمنيًا ضخمًا ومؤسسات متماسكة. هذا يعكس حقيقة أن القوة العسكرية وحدها ليست كافية لإحداث تغيير سياسي جذري عندما يكون الخصم ذا بنية مؤسساتية قوية ومتجذرة.
الرهان على الداخل الإيراني
من أكبر أخطاء التقدير الأمريكية والإسرائيلية، الاعتماد على احتمال أن يؤدي القمع والضربات العسكرية إلى إشعال احتجاجات شعبية واسعة قد تفضي إلى انهيار النظام. الواقع كان مختلفًا تمامًا، كما أوردت تلغراف ونيويورك تايمز: القبضة الأمنية المحكمة، والذاكرة الوطنية المناهضة للتدخل الخارجي، والإدراك الشعبي للمخاطر، كلها عوامل حالت دون انفجار شعبي يؤدي إلى تغيير سياسي. حتى الاحتجاجات التي سبقت الحرب واجهت قمعًا شديدًا، مما جعل النزول إلى الشارع مخاطرة كبيرة، وليس خيارًا سياسيًا فعالًا.
أدى هذا الوضع إلى إعادة ترتيب أولويات المجتمع الإيراني، حيث أصبح الخطر الخارجي عامل توحيد، لا تفكيك، وهو ما يفسر استمرار دعم قطاعات واسعة من الشعب للنظام حتى في مواجهة الضربات الجوية والاغتيالات.
الغموض الأمريكي والتباين في الرؤية
على الجانب الأمريكي، بدا التذبذب واضحًا في تصريحات الرئيس دونالد ترمب حول أهداف الحرب، ونشر القوات البرية، وإمكانية إنهاء الصراع، وكذلك المفاوضات مع إيران، وفق تقارير أكسيوس ووكالة فارس. هذا التذبذب زاد من غموض تعريف النصر، وجعل الاستراتيجية الأمريكية تبدو مشتتة وغير متسقة، مع الاعتماد على التفوق العسكري كأداة ضغط أساسية دون وجود خطة سياسية واضحة.
درس البيت الأبيض عدة سيناريوهات عسكرية، من بينها السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، أو إرسال تعزيزات بحرية لضمان مرور ناقلات النفط، بينما ظلت الوسائل الدبلوماسية مطروحة بمشاركة دول خليجية وأوروبية لضمان توازن القوى وعدم التصعيد الكامل.
معركة أهداف غير متناظرة
الحرب تحولت تدريجيًا إلى معركة أهداف غير متناظرة: الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بينما إيران نجحت في الصمود، ورفع تكلفة الحرب، والتحكم في نقاط استراتيجية مثل مضيق هرمز، وتحويل مجرد البقاء إلى مكسب معنوي وسياسي، وفق نيوزويك وواشنطن بوست.
هذا الواقع كشف عن حدود القوة العسكرية حين تغيب الرؤية السياسية الشاملة، وهو ما أشار إليه فيل كلاي في نيويورك تايمز وباتريك كوكبيرن في آي بيبر، حيث شددوا على أن التفوق العسكري وحده لا يترجم بالضرورة إلى مكسب سياسي ملموس، وأن الاستعراض العسكري أصبح بديلاً عن الاستراتيجية الحقيقية.
تباين التحالفات الإقليمية
على مستوى التحالفات الإقليمية، برزت تباينات واضحة:
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضغط على ترمب لمواصلة الحرب، معتبرًا الفرصة "تاريخية" لإعادة تشكيل المنطقة وتقليص تأثير إيران.
في المقابل، دول مثل باكستان وقطر وبعض دول الخليج الأخرى سعت لتقديم حلول دبلوماسية، وإنهاء الحرب عبر المفاوضات، مع التركيز على حماية مصالحها الوطنية وتجنب التصعيد الكامل.
هذا التباين يعكس تعقيد النزاع العسكري، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية في رسم مآلاته.
الرد الإيراني المستمر
أكدت طهران، عبر الحرس الثوري الإيراني والجيش الإيراني، استمرار القدرة على الرد، وضمان المرور الآمن في الخليج، واستخدام كل الوسائل المتاحة لحماية مصالحها الوطنية، بما في ذلك الهجمات الاستباقية على منشآت عسكرية إسرائيلية وأمريكية، وهو ما يوضح جدية إيران في إدارة الحرب وفق مبدأ الردع المتوازن.
الدروس المستخلصة
أظهرت الحرب على إيران أن الحسم العسكري وحده لا يكفي لتغيير واقع سياسي متماسك، وأن مجرد الصمود وإدارة النقاط الاستراتيجية يمكن أن يحوّل القوة إلى نفوذ سياسي. إيران لم تنهَر ولم تستسلم، بينما الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان صعوبة في تحقيق أهدافهما السياسية رغم التفوق العسكري.
مضيق هرمز أصبح رمزًا للقدرة على التحكم في المسار الاستراتيجي، وأظهرت الحرب أن إدارة التعقيد، والصبر، والتحكم في الجغرافيا، قد تكون أكثر أهمية من أي هجوم صاروخي أو ضربات جوية.
بعبارة أخرى، العالم يشهد تحولًا في مفهوم القوة: لم يعد النصر يُقاس بعدد القتلى أو تدمير المنشآت فقط، بل بالقدرة على فرض شروط التحكم، ورفع تكلفة النزاع على الخصم، وتحويل مجرد البقاء إلى انتصار معنوي وسياسي، وهو درس مهم لكل الصراعات المعاصرة.

المصادر:

نيوزويك (تقرير عن الحرب على إيران، مارس 2026)
واشنطن بوست (تحليلات حول الضغط على مضيق هرمز واستراتيجية إيران، فبراير 2026)
تلغراف (تحليلات عن الاحتجاجات الداخلية والرهانات الأمريكية الإسرائيلية، مارس 2026)
نيويورك تايمز (مقالات رأي فيل كلاي حول غياب استراتيجية واضحة، مارس 2026)
آي بيبر (تحليلات باتريك كوكبيرن عن هشاشة القوة الأمريكية، مارس 2026)
La Repubblica (جيانلوكا دي فيو، تقرير عن المنظومات الدفاعية الإسرائيلية واختراق الصواريخ، مارس 2026)
أكسيوس (سيناريوهات عسكرية أمريكية حول مضيق هرمز، مارس 2026)
وكالة فارس الإيرانية (تصريحات رسمية حول الموقف الإيراني والمفاوضات، مارس 2026).

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:24 379
لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 216
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 2249
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 3321
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 6499
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 4260
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 7994
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 5817
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 4980
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 5487
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 7138
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 6529
أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

2026-10-27 12:18 6215
أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

2026-10-27 12:08 4853
ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

2026-10-27 11:09 6545
طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-27 10:10 7550
تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

2026-10-27 08:18 5680
تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

2026-10-27 08:11 5947