المطلع
عاجل

post-image

من بريق الذاكرة إلى غبار النسيان... الحِرَف العراقية تلفظ أنفاسها الأخيرة


01:45 تقارير عربية ودولية
2025-12-21
58244

في عراقٍ يزداد تغيره الاجتماعي والاقتصادي، يحكي حرفيون قدامى عن وجع فقدان مهنٍ توارثوها أجيالاً مثلما يُورَّث الاسم، كانت تمثل هويتهم ومصدر رزقهم، لكنها اليوم تواجه الانقراض أمام تفضيلات الأبناء الذين يرون أن التعليم والوظيفة المكتبية طريق المكانة، لتصبح الورش رموزاً لماضٍ يوشك أن يُنسى.

مهن مثل الإسكافي، ودباغ الجلود، وصانع الكوز والفخاريات، وجامع الملح وغيرها، لم تعد تستهوي الأبناء، بين مَن يعتبرها "مَعيبة" أو تنطوي على "تقليلٍ للشأن"، ومن يرى أن التطور التكنولوجي هو ما دفع إلى اندثارها. لتضيع ذاكرة مهنٍ شكّلت تاريخ المدن العراقية.

ورغم أن التغيّر الاجتماعي والاقتصادي يشكل جزءاً من تطور الزمن، لكن تراجع بعض المهن المعروفة ترك أثراً عميقاً، نظراً إلى ارتباطها بالماضي القريب، ولعلاقتها الوثيقة بحياة الناس.

وجاء في تقرير للعربي الجديد وتابعته "المطلع" أن "يعود محل مهدي أبو فراس لتصليح الدراجات الهوائية الواقع في منطقة الميدان بالعاصمة بغداد إلى عام 1972، ويقول إنّه افتتح محله حين كان عمره 20 سنة، بعد أن تعلم المهنة من والده، ويقول لـ"العربي الجديد"، إن تلك المهنة كانت كل حياته،  فقد مكّنته من امتلاك منزل وبناء أسرة، ومثلما تعلّم المهنة من والده، كان يتوقع أن يرثها أولاده الأربعة، لكن كل واحد منهم شقّ طريقه بعيداً. "يقولون إنّ العمل في تصليح الدراجات معيبٌ بالنسبة لهم بعد أن ضمنوا وظائف جيدة".

في حي آخر من بغداد، يمارس عادل الربيعي (62 سنة) مهنة تصليح المواقد والمدافئ، وهي المهنة التي يختزلها بكونها "مهنة العائلة". لكن المهنة المتوارثة يبدو أنها انتهت داخل أسرة الربيعي، والذي يقول لـ"العربي الجديد": "منذ أن كان أولادي صغاراً وهم يعملون في المحل، ويعرفون أسرار المهنة، لكن بعد تخرجهم من الجامعات، اختار كل منهم طريقه بعيداً عنها. ابني الكبير يشكو من أنها مهنة متعبة ومردودها قليل، وأن العالم تطور، ولم يعد المواطنون يعتمدون هذا النوع من المواقد والمدافئ، أما أولادي الثلاثة الآخرون فبات لكل منهم وظيفة في شركات حكومية، ويرون في ممارسة هذه المهنة إحراجاً أمام أصدقائهم".
وعلى الرغم من أن مهدي على قناعة تامّة بأن مهنته لم تعد تكفل متطلبات الأسرة وطموح الشباب الساعي إلى نيل وظيفة مرموقة، لكنه يقول: "مَن لا يعرف قيمة المهنة، لن يعرف قيمة الحياة. كنا نعيش من تعب جبيننا، واليوم يبحث أبناؤنا عن الوظيفة لأنها أسهل".

الأمر ذاته يعانيه الحاج حميد الراضي (68 سنة)، والذي يقول لـ"العربي الجديد"، إنّه وُلد وعاش وسط ورش الفخاريات، وصار يقضي أيامه في ابتكار الأواني، لكنها لم تعد مُجدية كما كانت سابقاً، وذلك نتيجة منافسة المستورد الرخيص، بالإضافة إلى اختلاف أذواق الناس ومتطلباتهم.

ورث الراضي المهنة عن والده وأجداده، ويضيف: "ترك أولادي المهنة، وهم على قناعة أن لا أرباح ولا مستقبل فيها، عذرهم أن زمن الفخار انتهى، وأن الناس أخذت تشتري المواد المشابهة المصنوعة من البلاستيك والمعدن". وبنبرةٍ يغلب عليها الأسى، يواصل حديثه وكأنه يودّع شيئاً من ذاته، ويقول إنّ أبناءه يحترمونه، لكنّهم لا يرون في عمله إلا رمزية الماضي، مؤكداً أنّ "العالم تغيّر، ولا يمكن إنكار ذلك، لكن جذورنا تكمن في هذه المهنة. أشعر بأنّني سأموت إن لم أواصل ممارستها".
ومع أن قصص هؤلاء الحرفيين تتشابه في تفاصيلها، لكن ما يجمعها هو الإحساس العميق بفقدان "الهوية الحرفية" التي شكّلت جزءاً من الثقافة العراقية، فالمجتمع الذي كان يفاخر بالصناعات اليدوية، صار يرى فيها بقايا زمنٍ مضى.   
تلك الجذور التي بدأت تتآكل، يلمسها علاء عبد الله (28 سنة)، ويروي قصته لـ"العربي الجديد" قائلاً: "يصلّح والدي الساعات منذ أكثر من 40 عاماً، وقد ورث المهنة عن جدّي، وكان محله دائماً يعجّ بالزبائن الذين يقصدونه إما لتصليح ساعاتهم أو تقييمها أو بيعها. أحبّ مهنة والدي، ولديّ خبرة جيدة فيها، وكنت أتمنى أن أكون (ساعاتي)، وهو اللقب الذي يُطلق على والدي وجدّي، لكن المهنة تتراجع، ولم يبقَ من أربابها سوى عدد قليل. الساعات العمودية والجدارية والمنضدية وساعات الجيب ذات المنشأ الأوروبي لم تعد مرغوبة حالياً، حتى الساعات اليدوية بات قليلون يرتدونها، وللزينة فقط، بعد أن انعدمت ضرورتها مع وجود الهواتف المحمولة".

في مواجهة هذه القصص، يرى الباحث في التراث الشعبي ستار البغدادي، أن ما يجري، وعلى الرغم من أنه تغيّر في أسلوب الحياة يستمر على مدى الأزمنة، لكنه من جانب آخر يترك ألماً في الذاكرة الاجتماعية.

ويقول البغدادي "كانت المهن اليدوية القديمة تمثل روح المدينة العراقية، وكانت الأسواق تزدهر بها، من صنّاع النحاس إلى الفخّارين وروافي الملابس (تصليح الملابس) وغيرها من المهن، بينما اليوم لم يبقَ سوى القليل منهم، ومعظمهم في سنّ الشيخوخة". 
ويوضح البغدادي أن "ثقافة العيب لعبت دوراً كبيراً، فالجيل الجديد يبحث عن المظهر والمكانة، لا عن الحرفة، فضلاً عن أن هذه المهن لم تعد مُجدية اقتصادياً مع تطور الصناعات. وقد انقرضت مهنٌ على مرّ الأزمنة، وظهرت بدائل عنها، وهذا أمر طبيعي مع تطور الحياة. وحتى سنوات قريبة كنا نشهد مهناً لم يعد لها أي وجود حالياً، ومنها شاحذ السكاكين والأدوات الحادة، وخيّاط الفرفوري، وهو الحرفي الذي كان يصلح الأواني والقوارير الفخارية".

وعلى الرغم من أن عدم حفاظ الأبناء على مهن آبائهم وأجدادهم يؤدي إلى انقراض هذه المهن، يؤكد البغدادي أن "المهن مهما طال بها الزمن سوف تتغيّر أو تنقرض"، ضارباً المثل في مهنة الطحّان، إذ كانت تنتشر في المدن العراقية مطاحن حبوب عدة، وعلى الرغم من أن أرباب هذه المهنة يُعدّون من الأثرياء، غير أنها انقرضت مع تطوّر المجتمعات.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:24 494
لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 270
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 2249
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 3321
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 6499
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 4260
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 7994
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 5817
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 4980
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 5487
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 7138
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 6529
أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

2026-10-27 12:18 6215
أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

2026-10-27 12:08 4853
ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

2026-10-27 11:09 6545
طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-27 10:10 7550
تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

2026-10-27 08:18 5680
تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

2026-10-27 08:11 5947