المطلع
عاجل

post-image

إدارة بايدن وقصة العدائية لروسيا: منحى يتزايد في نظام دولي يتصدّع!

الكاتب: ادارة الموقع


00:03 مقالات عامة
2021-03-24
41592
يظهر الرئيس الأمريكي جو بايدن عدائية حادة لنظيره الروسي بشكل لا يمكن التأسيس عليه لوحده ، كذلك، لا يمكن التعامل مع هذه العدائية على أنها مزاجية عابرة.

نحن هنا أمام منحى، وحيال حاجة أمريكية أولاً لتحديد «من العدو».
يحصل ذلك في عالم لم تخض فيه إدارة الرئيس السابق، ترامب، حرباً كبيرة فيه، بل اكتفت بالاستخدام «القنصي» للقوة. عالم أقل حروبية من سنوات سالفة. لكنه يعيش تصدّعاً متزايداً في نظامه الدولي. أي ذلك النظام الذي رسمت خطوطه العريضة تفاهمات المنتصرين في الحرب العالمية الثانية في يالطا وبوتسدام، ثم تشكل قوامه مع تأسيس الأمم المتحدة وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي، بالخماسي دائم العضوية فيه.
لقد تعايش هذا النظام الدولي أكثر مما كان متوقعاً له، مع المراحل المختلفة التي اجتازتها الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي. فلم يؤد هذا الصراع الأيديولوجي والجيوبوليتكي المحتدم الى إنهاء تجربة منظمة الأمم المتحدة على غرار ما حلّ بسابقتها، عصبة الأمم. من المبالغة بمقدار توصيف مجلس الأمن بأنه حكومة عالمية، لكنه شكّل شيئاً من هذا القبيل طيلة فترة الحرب الباردة. رغم كثرة محطات التشنج فيها وانعكاسها عليه بالتعطيل لدوره. ورغم «فضيحة» حرمان الصين القارية من مقعدها فيه لعقدين من الزمان، قبل أن تنقلب الحال مطلع السبعينيات، مع التقارب الصيني الأمريكي، وفي وقت كانت أضحت الحرب الباردة ثلاثية القطب، لا سيما في آسيا، أي أمريكا والصين معاً في مواجهة الاتحاد السوفياتي.
اختلفت الحال مع انهيار الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو. لم تنته الحرب الباردة فقط آنذاك، بل اختفى أيضاً أحد المنتصرين الأساسيين في الحرب العالمية الثانية، ولم يعد مفهوماً لماذا يستمر التعامل مع المانيا واليابان كما لو كانت اعتبارات تلك الحرب لا تزال راهنة حيالهما، فلا يكون التفكير بتوسيع نادي دائمي العضوية اليهما هم أيضاً. هذا مع أن المانيا الموحدة تلعب دور المحور المهيمن في الإتحاد الأوروبي، أما الصين فقد همشت اليابان في العقود الأخيرة. وهذا قبل أن ندخل في مطالبات توسعة نادي العضوية الدائمة لبلدان أخرى، كالهند والبرازيل، أو الغائها أو تعديل حق النقض. المهم، لم يراجع شيء من هذا في اي اتجاه كان بعد نهاية الحرب الباردة، وبقي المتفق عليه بين منتصري الحرب العالمية الثانية قائماً رغم اختفاء أحدهم، واحتفال الآخر بأنه انتصر في الحرب الباردة عليه.
ولهذا ثمنه. العالم في مطلع العشرينيات من هذا القرن يعيش في نظام دولي مستوحى من معادلات منتصف أربعينيات القرن الماضي.
ثمنه المزيد من تصدع النظام الدولي بعد الحرب الباردة، وأكثر فأكثر بعد العودة الجزئية لهذه الحرب الباردة مجدداً مع صعود بوتين، انما مخففة من قالبها الأيديولوجي السابق. يتصل ذلك ايضا بأن الولايات المتحدة تعيش منذ نهاية الحرب الباردة مشكلة صعوبة تحديدها لعدوها الاستراتيجي.
لقد حاولت التعويض عن غياب العدو الاستراتيجي الواضح، الاتحاد السوفياتي والشيوعية، بتحديده الهلامي، على أنه الدول المارقة المتوسطة الحجم ثم التطرف الإسلامي العابر للبلدان. لكن هذا التحديد الهلامي أتى بالنتيجة على حساب معدّل هيمنتها على العالم. كونها جعلها «تلعب» مع لاعبين لا تناسب بينها كقوة لها اساطيل وقواعد في كل اصقاع العالم، وبينهم. ولعب القوي مع الضعيف يضعفه.

منذ ضم روسيا للقرم 2014، وموقف أمريكا والاتحاد الأوروبي ضد هذا الضم، ومجلس الأمن الدولي شبه مفرّغ من ديناميته التأطيرية للنزاعات، بشكل لم يسبق أن حصل في عز الحرب الباردة

ثم عادت أمريكا، بعد اتضاح منحى فلاديمير بوتين تدريجيا، من حربه على جيورجيا 2008 الى ضمه القرم 2014 لاعادة تلبيس روسيا ثوب العدو الاستراتيجي. من دون أن تكف يد بوتين عن إنقاذ النظام السوري بالطائرات، ومن دون أن تقف حجر عثرة دون التقارب الروسي التركي في اثر فشل المشهدية الانقلابية على أردوغان 2016.
ومع وصول دونالد ترامب، عادت أمريكا فابعدت ثوب العداوة الاستراتيجية عن روسيا نسبياً، بل جوبه ترامب بمعارضة داخلية قوية غداة قمته مع بوتين في هلسنكي 2018، إذ اعتُبِر أنه يقدّم تنازلات هو في غنى عنها لروسيا، في حين ينبغي أن تستمر معاقبة الأخيرة نظراً لضمها شبه القرم التي تعود لأوكرانيا، ثم رعايتها حركة الانفصال شرقي الأخيرة (حوض الدونباس الصناعي).
ابتغى ترامب نقل العداوة الاستراتيجية الى الصين، في الحرب التجارية معها، ثم في اتهامها المتكرر بالمسؤولية عن تفشي جائحة كورونا، هذا في الوقت عينه الذي كان يهوّن فيه من خطر الفيروس نفسه، ما جعله يحدد عدواً وينفي عنه علة العداوة.

مع بايدن نحن حيال معادلة معاكسة: العودة إلى التحديد «التقليدي» للعدو الجيوبوليتيكي على أنه روسيا. أمريكا سلطانة البحار وبالتالي خصمها الأساسي موجود في العمق القاري لأوراسيا، في الهارتلند.
وهذا يعني العودة إلى المنظار السبيكماني (نسبة الى المنظر الجيوبوليتيكي نيكولاس سبايكمان، ت 1943) أي وجوب منع القوة القارية، روسيا، من التمدد من قلب أوراسيا Heartland الى أطراف القارة الاوراسية الكبرى، أي الـ Rimland، أي ما يحيط بالعمق القاري من أقاليم. وهو ما يقتضي مباعدة روسيا عن الصين، وعن إيران، وعن بلدان الشرق الأوسط، ولا قلق اليوم من حلف وارسو. فليس لروسيا حلفاء في أوروبا (مع أن هناك مسعى لاحتساب اليمين الشعبوي فيها كحليف لموسكو).
منطقياً يفترض ان يعني ذلك أن أمريكا ستسعى لتأمين جانب الصين من الآن فصاعداً أو حتى استمالة عدوتها اللدود في الشرق الأوسط، إيران، هذا ان أرادت ابعاد نفوذ روسيا عن أقاليم «الريملند».
روسيا في هذه الحالة لا يمكن ان تقدم لإيران ما يمكن ان توفره الولايات المتحدة اذا ما هي أفرجت عن الأموال وخففت العقوبات. لكن إيران أيضا لا مصلحة لديها في الذهاب إلى تخفيف التوتر بأي ثمن مع أمريكا. بالدرجة الأولى، نظرا لطبيعة نظامها. فهو يعتبر معاداة أمريكا دعامة ايديولوجية ثقافية متينة له، ولا تتضمن عقائده موضوعة التعايش السلمي مع الامبريالية، على المنوال السوفياتي، الموضوعة التي تنهل منها ايضا، الصين وكوريا الشمالية. كيم جونغ اون صافح ترامب بحرارة، وأجاد ذلك من قبله قادة السوفيات، وماو تسي تونغ مع نيكسون. الخمينيون يصعب عليهم فعل ذلك.
في المقابل، اذا كانت أمريكا ماضية في تحديد روسيا كعدو استراتيجي، فإن لروسيا مصلحة في تفادي عزلتها بالشرق الأوسط بتطوير علاقاتها مع تركيا وإسرائيل والخليج في وقت واحد، بالتوازي مع علاقتها بإيران. الا ان هذا سيعرضها بالنتيجة للسؤال عن كيفية تلبية كل هذه العلاقات في آن.
منذ ضم روسيا للقرم 2014، وموقف أمريكا والاتحاد الأوروبي ضد هذا الضم، ومجلس الأمن الدولي شبه مفرّغ من ديناميته التأطيرية للنزاعات، بشكل لم يسبق أن حصل في عز الحرب الباردة. ونحن نتكلم هنا عن سبع سنوات حتى الآن. ما يعني مؤشرا مقلقا بالنسبة للسلام العالمي بالنتيجة. في الوقت عينه، أمريكا لم تحل مشكلة تحديدها للعدو الاستراتيجي بعد زوال الاتحاد السوفياتي بعد، مرة الإرهاب، ومرة الدول المارقة، ومرة باتجاه الصين، والآن باتجاه روسيا، لكن حتى في الحالة الأخيرة، فنحن أمام منحى ما زال من المبكر التعامل معه على أنه منحى وطيد لن يزاحمه منحى آخر، وان كان الجمود العالمي منذ أزمة ضم القرم لا يزال قائماً وأساسياً.
في كل هذا، أوكرانيا والقوقاز والمشرق العربي، تشكّل حاليا مجموعة مختبرات. من دون اغفال ما يمكن ان تستثمر فيه أمريكا على صعيد محاولة قلب الأوضاع في روسيا نفسها. لكن هذا يصعب ان يتأمن من دون ضربة تتلقاها خارطة تمدد النفوذ الروسي. بالضائقة الاقتصادية وحدها، وناشطي حقوق الإنسان ومناهضة الفساد، لا يمكن التعويل على الإطاحة بحكم «الجهاز» في روسيا. في 1905 كما في 1917 كما في الثمانينيات، كانت مشكلة روسيا على الجبهة أولاً (الهزيمة امام اليابان، الاستمرار في الحرب الكبرى رغم الانهيار الاقتصادي، استنزاف حرب النجوم وسباق التسلح وحرب أفغانستان للاتحاد السوفياتي) وبنتيجة ذلك فقط تزلزلت الأوضاع داخلها، بالثورات أو بالانهيار السوفييتي.

المصدر: القدس العربي

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 1864
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 3076
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 3777
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 7343
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 4572
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 8919
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 6115
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 5058
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 5766
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 7302
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 6660
أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

2026-10-27 12:18 6357
أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

2026-10-27 12:08 4917
ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

2026-10-27 11:09 6712
طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-27 10:10 7803
تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

2026-10-27 08:18 5954
تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

2026-10-27 08:11 5988
التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

2026-10-27 00:14 11080