المطلع
عاجل

post-image

الولايات المتحدة كما ترى دورها العالمي بعد أفغانستان!

الكاتب: ادارة الموقع


00:09 مقالات عامة
2021-09-15
40087

باع جوزيف بايدن الانسحاب المتعجل من أفغانستان على خلفية الحاجة للتفرغ لمواجهة الصين وروسيا، وإطلاق الموارد الكافية لذلك.

الحقيقة أن أمريكا لن تستطيع مواجهة كل من الخصمين الاستراتيجيين للولايات، بمجرد الخروج من أفغانستان؛ بايدن يحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء مصادر القوة لبلاده، بما في ذلك إنقاذ الديمقراطية الأمريكية من الأزمة التي تمر بها، وإعادة بناء الاقتصاد لتعزيز قدرته على المنافسة، وإعادة بناء الصناعة العسكرية عند مستويات تكنولوجية تفوق كثيرا ما كانت عليه في القرن الماضي، وهي كلها احتياجات محلية الطابع. كما يحتاج بايدن إلى مصارحة الحلفاء والشركاء بشأن حدود الدور الذي يمكن لواشنطن أن تلعبه، وما لا تستطيع القيام به، سواء بمفردها، أو بالتعاون مع غيرها.

ليس متوقعا أن تسير العلاقات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا على طريق التصعيد، لأن تكلفة ذلك ستكون فادحة لها وللعالم

الخروج من أفغانستان في جوهره، بداية الإجابة على سؤال القرن الواحد والعشرين بالنسبة للولايات المتحدة والنظام العالمي. ونظرا لأن إعادة البناء الداخلي، وإعادة ترتيب هيكل التحالف الغربي يحتاج لوقت طويل، قبل أن تصبح الولايات المتحدة قادرة على مواجه الخصمين، فإن هذا سيتيح للصين وروسيا وقتا لممارسة نفوذ أكبر في العالم خلال السنوات المقبلة.

وينصرف جزء كبير من الجدل حول الانسحاب إلى مناقشة طبيعة القرار وكيفية تنفيذه، لكن القليل منه يتناول العلاقة بين لحظة أفغانستان، ومستقبل القوة الأمريكية. 

في هذا المقال سأعرض قراءة موجزة لوجهتي نظر، كل منهما نقيض للأخرى، لكن تجمعهما محاولة الإجابة على السؤال الصحيح. وجهة النظر الأولى صاحبها هو وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، أحد عمالقة الاستراتيجية في النصف الثاني من القرن العشرين.

والثانية هي لمستشار إدارة أوباما الخاص لشؤون الشرق الأوسط ومدير التخطيط السياسي الأسبق لوزارة الخارجية الأمريكية دينيس روس، وهو واحد من أكثر صناع السياسة الأمريكية معرفة بشؤون وخفايا الشرق الأوسط، من خلال عمله في البنتاغون والخارجية والإدارات الأمريكية المتعاقبة من ريغان إلى أوباما. ويتمتع كل من الرجلين بنظرة استراتيجية بعيدة المدى، ومعرفة بالحقائق المباشرة على الأرض.

كيسنجر كتب في «إيكونوميست» البريطانية في (25 أغسطس 2021) عن الفشل في أفغانستان ومستقبل القوة الأمريكية. 

أما روس فقد كتب في «نيويورك تايمز» (29 أغسطس 2021) داعيا للكف عن الاعتقاد بأن الانسحاب من أفغانستان هو نهاية القوة الأمريكية.

كيسنجر: خيبة أمل للحلفاء

انتهى كيسنجر من تحليله للحملة الأمريكية على أفغانستان، التي استمرت عشرين عاما، بأن الانسحاب قد أدى إلى خيبة أمل بين الحلفاء، وأنه سيشجع الخصوم على المزيد من التحدي. وقال إن واشنطن فقدت القدرة على التركيز الاستراتيجي، بمحاولة تحقيق أهداف ليس في استطاعتها تحقيقها والمحافظة عليها، وفشلت في خلق الصيغة الملائمة لربط أهدافها العسكرية بالأهداف السياسية. 

ولفت كيسنجر النظر إلى تجربة بريطانيا في المحافظة على سيطرتها، وعلى أمن طريقها إلى الهند لمدة قرن من الزمان تقريبا بتكلفة محدودة، عن طريق الاستعانة بقوى إقليمية حليفة، وخلق حلفاء محليين، يقومون بدور رئيسي في التأمين الاستراتيجي لمصالحها، بدون الدخول في حروب ومواجهات عسكرية.

وقال إنه كان بوسع الولايات المتحدة أن تتبع دبلوماسية مشتركة مع كل من الصين وروسيا والهند وباكستان لتأمين أفغانستان من الإرهاب.

ولم يتوقف كيسنجر عند استخلاص استنتاج كبير من دروس الانسحاب من أفغانستان، وإنما أقدم على تطوير وجهة نظر تتعلق بسلوك القوة الأمريكية في المستقبل، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تستطيع أن تهرب من دورها، باعتبارها أحد مفاتيح القوة في العالم، لكنها لن تستطيع في المستقبل المنظور استعادة مصداقيتها عن طريق إعلان التزامات دفاعية أو استراتيجية في مناطق أخرى بعد انسحابها من أفغانستان.

وجهة النظر هذه تمثل انتقادا غير مباشر لما أعلنه بايدن من أن الانسحاب هو لغرض تركيز الالتزامات الاستراتيجية على مواجهة الصين (في منطقة بحر الصين حيث توجد تايوان مثلا) ومواجهة روسيا (في منطقة شبه جزيرة القرم حيث يوجد النزاع الروسي – الأوكراني). وتنطوي وجهة نظر كيسنجر في هذا الشأن على تأكيد مبدأ أن «المصداقية الاستراتيجية لا تتجزأ» وأنها إذا تعرضت للضرر في مكان، فإن الضرر يصيبها في كل مكان.

وحاول كيسنجر التخفيف من وقع استنتاجاته بالقول إن إدارة بايدن ما تزال في مراحلها الأولى، وإن بوسعها أن تطور استراتيجية شاملة تستجيب للضرورات المحلية والعالمية.

روس: مصداقية أمريكا قوية

على النقيض من كيسنجر استعرض دينيس روس تجربة الولايات المتحدة في أفغانستان، وقلل من الآثار السلبية لانسحابها، مؤكدا أن الولايات المتحدة كثيرا ما تعرضت لإخفاقات إقليمية وأخطاء في الحسابات منذ حرب فيتنام حتى الآن، لكن حاجة حلفائها إليها وثقتهم فيها لم تتاثرا.

وعرض لبعض تلك الإخفاقات، ابتداءً من فشل كارتر في عملية تحرير الرهائن في طهران، إلى فشل ريغان في الانتقام لمقتل 241 فردا من مشاة البحرية الأمريكية في بيروت، واضطراره إلى الانسحاب من لبنان، إلى تفجير أبراج كان يقيم فيها طيارون أمريكيون في مدينة (الخبر) السعودية ومقتل 19 طيارا، في العملية التي تردد أن طهران كانت ضالعة فيها، إلى حرب العراق وفشل الولايات المتحدة في ملء الفراغ الذي نشأ بعد إسقاط صدام حسين، إلى الفشل في الرد على قيام سوريا باستخدام أسلحة كيماوية. ورغم أن روس اعترف بأن هذه الأحداث سببت أضرارا لمصداقية الولايات المتحدة، إلا أن مستوى الضرر لم يصل إلى حد الاستغناء عن القوة الأمريكية.

وأكد أن الولايات المتحدة هي أقوى دولة في العالم، رغم كل ما حدث، وأن حاجة حلفائها إليها للرد على التهديدات ستستمر كما كانت من قبل. 

ويبدو أن دينيس روس لم يأخذ في اعتباره التصريحات التي أطلقها زعماء وسياسيون من دول أوروبية رئيسية مثل، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وكذلك من الاتحاد الأوروبي، تشكك في مصداقية التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن التحالف الغربي، أو حتى مجرد الاستماع لوجهات نظر الدول الحليفة، خصوصا منذ قمة الدول السبع الطارئة، التي تمت عبر الفيديو بمبادرة من رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون.

وأكد روس في نهاية مقاله على ضرورة أن تستمر الولايات المتحدة في أداء مهمتها في الدفاع عن التحالف الغربي، كما أشار إلى أهمية دورها في الشرق الأوسط قائلا، إن هذا ليس الوقت الملائم لتقليل التركيز على المنطقة، وضرورة أن تناقش مع حلفائها الأوروبيين والإقليميين خطة طويلة الأمد بشأن المستقبل.

مكالمة بايدن شي جين بينغ

وسط أزمة كادت تؤدي إلى مواجهة مسلحة في بحر الصين الجنوبي بين مدمرة أمريكية تحمل صواريخ موجهة، وحاملة طائرات وقطع بحرية صينية يوم الأربعاء الماضي، اتصل الرئيس الأمريكي بنظيره الصيني يوم الجمعة (10 سبتمبر).

كان الغرض الرئيسي من الاتصال هو وضع قواعد لإدارة العلاقات بين البلدين، تعترف بحقيقة التنافس بينهما، لكن تضع حدودا لمنع أن يتحول التنافس إلى صراع يهدد السلام العالمي.

ومن الغريب أن قراءة البيانين الصادرين عن الاتصال الهاتفي في كل من واشنطن وبكين، تترك الانطباع بأن كلا منهما يتحدث عن مكالمة مختلفة. الصيغة الأمريكية جاءت عمومية، بينما الصيغة الصينية تضمنت إشارات محددة لمواضع الخلاف بين البلدين.

نقطة الاتفاق كانت العمل معا على تصحيح مسار العلاقة على أساس «المنافسة المسؤولة» بينما نقطة الخلاف كانت أن الصين لا ترى إمكان حدوث هذا التصحيح بدون تخلي الولايات المتحدة عن اعتبار الصين خصما أو عدوا لها، أو انتهاك «مبدأ الصين الواحدة».

وليس من المتوقع أن تسير العلاقات بين الولايات المتحدة وكل من الصين وروسيا على طريق العداء والتصعيد، لأن تكلفة ذلك ستكون فادحة للأطراف الثلاثة والعالم. ومن الصعب كذلك أن يتحمل مسؤول في أي منها تبعات التصعيد أمام شعبه وأمام العالم، رغم وجود وجهة نظر قوية في واشنطن ترى أن التحدي الصيني ليس مجرد تهديد استراتيجي، لكنه مسألة حياة أو موت. ومع ذلك فإن الصين وروسيا تبديان رغبة في التعاون مع أمريكا، لكنهما تعارضان استمرار انفرادها بالقرار الدولي دون الآخرين. وقد أظهرت الاتصالات التي جرت بين العواصم الثلاث خلال الأسابيع الأخيرة، أن موسكو وبكين ترغبان في ألا تنسحب واشنطن تماما من أفغانستان، وتؤكدان على ضرورة إعادة فتح السفارة الأمريكية هناك، وتوسيع نطاق دورها في مجالات إعادة بناء الدولة، وتقديم المساعدات الاقتصادية والإنسانية. 

لكن أمريكا ما تزال منقسمة على نفسها، وتحتاج إلى رؤية استراتيجية جديدة، تقبل بدور القوى الصاعدة في عملية صنع القرار العالمي ضمن نظام متعدد الأقطاب. أمريكا في حاجة لأن تتفرغ لإعادة بناء قوتها أولا قبل أن تتفرغ لمواجهة الصين، ومن يعتقد غير ذلك فإنه واهم.

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 1864
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 3076
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 3777
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 7343
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 4572
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 8919
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 6115
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 5058
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 5766
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 7302
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 6660
أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

2026-10-27 12:18 6357
أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

2026-10-27 12:08 4917
ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

2026-10-27 11:09 6712
طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-27 10:10 7803
تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

2026-10-27 08:18 5954
تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

2026-10-27 08:11 5988
التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

2026-10-27 00:14 11080