المطلع
عاجل

post-image

بكين - موسكو..زواج مصلحة!

الكاتب: ادارة الموقع


22:03 مقالات عامة
2022-03-02
38599

لم يكن البيان الصيني الروسي الذي صدر عقب قمة الرئيسين الصيني، شي جين بينغ، والروسي، فلاديمير بوتين، في بكين يوم 4 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) بياناً عادياً، بل كان "ثورياً" بما انطوى عليه من مواقف ومطالب تطيح النظام الدولي القائم، بقواعده القانونية وقيمه الليبرالية، وتؤسس لبديل متعدّد الأقطاب، يحتل فيه النظامان السلطويان موقعين ونفوذين كبيرين، ويشركهما في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، فالبيان، الذي جاء في 5300 كلمة، رفع البطاقة الحمراء في وجه الولايات المتحدة والنظام أحادي القطبية الذي تقوده، وحدّد الملفات التي عليها تغيير مقاربتها لها: تايوان والمطالب الأمنية الروسية، فلا تحالفات أمنية جديدة ولا توسيع لعضوية حلف الناتو. واعتبار ذلك قرينة صريحة على قبولها تغيير قواعد النظام الدولي، والانخراط في مفاوضات لصياغة البديل أو الانخراط في مواجهة صفرية.

لقد حدّد البيان حجم (ومستوى) الاتفاق على التعاون بين الدولتين، من التعاون الأمني إلى الفضاء والإنترنت والتغيرات المناخية مروراً بالذكاء الاصطناعي، فـ "لا حدود للصداقة"، و"لا توجد مجالات ممنوعة على التعاون"، وفق البيان، فالاتفاق الجديد الذي تجاوز معاهدة الصداقة بين الدولتين الموقّعة عام 2001، شراكة استراتيجية "غير مسبوقة"، وفق الرئيس الروسي، و"سيترك آثاراً بعيدة المدى على الصين وروسيا والعالم"، وفق الرئيس الصيني. وقد تضمّن البيان دعماً مباشراً للرئيس الروسي في مواجهته المفتوحة مع الولايات المتحدة وحلف الناتو بشأن أوكرانيا، وتعهداً بالوقوف إلى جانبه في مطالبه الأمنية، والتزاماً بدعمه إذا نفّذ الغزو، ومساعدته على تحمّل العقوبات الاقتصادية القاسية التي تخطّط الولايات المتحدة وحلفاؤها لفرضها. وهو ما أكّده وزير الخارجية الصينية، وانغ يي، بالمطالبة بمعالجة مظاهر القلق الروسي بشأن تمدّد "الناتو"، واصفاً إياها بالمشروعة؛ مع دعم روسيا لسياسة الصين الموحدة، التي ترى أنّ تايوان جزء من الصين ومعارضة أيّ شكل من الاستقلال.

و شهدت العلاقات الروسية الصينية، العسكرية والاقتصادية، نمواً كبيراً في العقدين الأخيرين، على خلفية الرد على الموقف الأميركي، الذي وضعهما في وثائق أمنه القومي في خانة الأعداء المهددين للأمن القومي الأميركي، وتدخله في شؤونهما الداخلية، عبر ترويج القيم الليبرالية ومتابعة انتهاكات حقوق الإنسان فيهما، وتهديده طموحاتهما عبر العمل على تقييد تحركاتهما السياسية والعسكرية، والحدّ من نفوذهما الإقليمي والدولي، بنشر موارد عسكرية ضخمة في المحيطين، الهندي والهادئ، اعتراضاً على مطالب الصين في بحري الصين، الجنوبي والشرقي، وتشكيل تكتلات أمنية وسياسية في الإقليم، تحالف "أوكوس" مع المملكة المتحدة وأستراليا والحوار الأمني الرباعي "كواد" مع اليابان والهند وأستراليا، وطرح مشروع غربي، مبادرة "إعادة بناء عالم أفضل" التي أطلقتها مجموعة الدول السبع، بديلاً لمبادرة الحزام والطريق، تقديم مساعدات للدول الفقيرة والنامية، لتطوير بنيتها التحتية والخدمية والاقتصادية، بالنسبة للصين، وإدماج أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بطريقةٍ عملية عبر إشراك قواتها في التدريبات والمناورات العسكرية، ومدّها بالأسلحة المتطورة ودعمها اقتصادياً، بالنسبة لروسيا، وقد تعدّدت التدريبات العسكرية الروسية الصينية في البحر والبر، والقيام بدوريات مشتركة وإجراء مناورات بحرية في المحيطين، الهندي والهادئ، بمشاركة آلاف الجنود وعلى مساحة واسعة.

وكان معهد البحرية الأميركي قد أشار، في تقرير له العام الماضي، إلى تتابع المناورات العسكرية بين قوات الدولتين وتعقيدها ومداها الجغرافي المتزايد بشكل مستمر، واعتبر امتداد أراضيهما في آسيا وأوروبا مع امتلاكهما أسلحة نووية يجعل تحالفهما بمثابة تغيير لقواعد اللعبة عسكرياً ودبلوماسياً، كما بيعت أسلحة روسية متطورة للصين. وهذا إلى جانب تنامي التبادلات التجارية وتوقيع عقود طويلة الأمد بمليارات الدولارات في مجال الطاقة لاستيراد كميات كبيرة من النفط والغاز الروسيين، ومد أنابيب لنقلهما مباشرة إلى الأراضي الصينية.


و قد ترتّب على التوترات والمواجهات السياسية والدبلوماسية مع الولايات المتحدة حول ملفات جيوسياسية وجيوستراتيجية توافق روسي صيني على خطورة النظام الدولي القائم بأسسه الغربية، وسيطرة الولايات المتحدة على قواعد عمله وآلياته التنفيذية وتوافقا على ضرورة مواجهته وتغيير أسسه وقواعد عمله، وإقامة نظام دولي بديل متعدّد الأقطاب.

اعتبرت قراءات غربية البيان الصيني الروسي تحدّياً سياسياً وعسكرياً للنظام الدولي القائم؛ وخطّة واسعة لمواجهة الولايات المتحدة بوصفها قوة عظمى، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، كحجر أساس للأمن الدولي والليبرالية الديمقراطية؛ فـ "لا يوجد مقاس يناسب الجميع"، و"موسكو وبكين هما أنجح الديمقراطيات"، بحسب البيان، وتعهدا بالوقوف في صفٍّ واحد في مواجهة القواعد والقيم الغربية. واعتبرته، القراءات، في فحواه وتوقيته، عهداً جديداً في النظام الدولي، يضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام منعطف رهيب؛ ونقطة تحوّل جديدة في حربٍ باردةٍ جديدة.

غير أنّ قراءةً للعلاقات الصينية الروسية خارج اللحظة السياسية الراهنة ومستدعياتها، إن على صعيد التحرّك الأميركي لاحتواء الصين وحماية تايوان من اجتياح صيني محتمل، أو على صعيد تمدّد حلف الناتو نحو الحدود الغربية لروسيا، عبر ضم مزيد من دول شرق أوروبا للحلف، خصوصاً أوكرانيا وجورجيا، ونشر عتاد عسكري متطوّر في هذه الدول، والتي، وحدت اللحظة السياسية الراهنة موقفهما وعداءهما المشترك للولايات المتحدة، وفرضت عليهما تبادل التأييد والدعم في هذين الملفين الساخنين، تقود، القراءة، إلى وجود تباين في الرؤية وتعارض في المصالح، إذ تنطلق الصين من ضرورة الحفاظ على الاستقرارين، الإقليمي والدولي، لما لذلك من تأثير على مشروعها "الحزام والطريق" ومصالحها التجارية مع دول وسط آسيا وأوروبا، وتعارض التدخلات الخارجية في شؤون الدول، ما يجعلها ترى في تكتيكات الرئيس الروسي وعسكرته الدبلوماسية وتصعيده التوترات الإقليمية والدولية مسّاً بالاستقرار، وبالمصالح الصينية بالتالي، وخرقاً لمبدئها في معارضة التدخلات الخارجية.

صحيحّ أنّ الصين تستفيد، في ظل التوتر القائم مع الولايات المتحدة بشأن الأدوار والأوزان، وواجهته ملف تايوان، من التحرّكات العسكرية الروسية لمشاغلة الولايات المتحدة وحرف الاهتمام الأميركي عن الاتجاه نحو آسيا وتطويقها وعرقلة خططها الجيوسياسية والجيوستراتيجية، وترى في بوتين شريكاً قادراً على زعزعة استقرار التحالف الغربي، ودفع الولايات المتحدة إلى وقف التركيز على احتوائها، إلّا أنّها لا تريد دفع الأوضاع مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو قطيعةٍ شاملةٍ وحرق كلّ المراكب معهما، وخسارة التبادلات التجارية الضخمة، خصوصاً إذا ترافقت القطيعة مع عقوباتٍ لها تأثير كبير على الشركات الصينية، فأولويتها مطلقة النفاذ إلى الأسواق، لذا لا تريد لدعمها روسيا أن يلحق ضرراً بمصالحها الخاصة، فمصالحها مع استقرار سياسي وأمني إقليمي ودولي. وهذا ما دفعها إلى اعتماد سياسة النأي بالنفس والحياد، وتفضيلها حلّ الخلافات بالطرق الدبلوماسية، وتأكيد وزير خارجيتها، الذي انتقد تمدّد "الناتو" نحو حدود روسيا الغربية، على احترام سيادة أوكرانيا وحماية هذه السيادة، وقوله، في مكالمات هاتفية مع دبلوماسيين غربيين، إنّ "الصين تتابع تطور الأزمة الأوكرانية، والوضع الحالي أمرٌ لا تريد الصين رؤيته". وحثّ الرئيس الصيني، شي جين بينغ، الذي وقّع قبل أيام على البيان الصيني الروسي الذي ينطوي على دعم لموسكو، الرئيس الروسي، فلاديمر بوتين، في مكالمة هاتفية معه على حلّ الأزمة مع أوكرانيا من خلال المحادثات، ودعوة سفيرها لدى الأمم المتحدة، تشانغ جون، إلى ضبط النفس وحلّ الخلافات بالطرق الدبلوماسية، وإيقاف مصرفين صينيين، البنك الصناعي التجاري الصيني وبنك الصين، تمتلكهما الدولة، إصدار اعتمادات مالية بالدولار الأميركي لشراء سلع روسية جاهزة للتصدير، خير دليل على طبيعة توجهاتها السلمية، فحروب بوتين المحتملة تؤثر مباشرةً على وصول النفط والغاز من آسيا الوسطى إليها عبر الأنابيب؛ وتعرقل سلاسل التوريد وانتقال السلع. فالصين لا تشجع الأسلوب العدائي الذي تتبعه روسيا في الملف الأوكراني، ولا تؤيد أيّ عدوان أو تدخل من أيّ دولة في شؤون دولة أخرى، سبق ووقفت خلف انسحاب القوات الروسية من كازاخستان، فقد جرى الانسحاب، بعد طلب وزير خارجية الصين ذلك مباشرة من وزير خارجية روسيا، فـ "بوتين يمثل صداعاً كبيراً لبكين" وفق للزميل الأول لدراسات الصين في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، كارل مينزنر. 

و هذا بالإضافة إلى رغبة الصين "في النهاية في علاقات جيدة مع الولايات المتحدة" وفق قول وانغ هوياو، رئيس "مركز الصين والعولمة"، وهو مركز أبحاث مقرّه بكين، ويقدّم المشورة للحكومة. وقد تأكد ذلك في تمييزها موقفها عن الموقف الروسي بامتناعها عن التصويت في جلسة مجلس الأمن الخاصة بمناقشة الأزمة الأوكرانية على مشروع قرار يدين الغزو الروسي لأوكرانيا، حين استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو).

في وقتٍ تسعى الولايات المتحدة لفصل روسيا عن الصين، تتعامل الأخيرة مع الموقف بدعم مطالب روسيا الأمنية من أجل تشتيت القوة الأميركية، لكن من دون التزام صلب يلزمها بإرسال قوات لمساندة الغزو الروسي، فثمّة حدود لما يمكن، وما ترغب، الصين القيام به من أجل روسيا في ضوء عوامل رئيسية: التجارة والعلاقات المالية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. فمن شأن دعم العدوان الروسي بشكل علني أن يهدّد اتفاقاً استثمارياً رئيسياً، تحاول بكين التوصل إليه مع الاتحاد الأوروبي، والتعرّض لعقوبات أميركية ثانوية مدمرة، وتتعامل مع الغزو كاختبار لاكتشاف مستوى الرد الأميركي، واعتباره مقياساً لردّه المحتمل على معركتها الخاصة بشأن تايوان، وفرصة لإضعاف روسيا منافستها الجيوسياسية في وسط آسيا، والمحصلة النهائية للغزو وانعكاساتها على المعادلتين، الإقليمية والدولية.

 

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 1864
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 3076
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 3777
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 7343
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 4572
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 8919
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 6115
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 5058
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 5766
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 7302
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 6660
أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

2026-10-27 12:18 6357
أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

2026-10-27 12:08 4917
ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

2026-10-27 11:09 6712
طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-27 10:10 7803
تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

2026-10-27 08:18 5954
تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

2026-10-27 08:11 5988
التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

2026-10-27 00:14 11080