المطلع
عاجل

post-image

بين ترامب وبايدن.. هل يقع العالم في الفخّ الأميركيّ؟

الكاتب: ادارة الموقع


14:12 مقالات عامة
2020-12-04
52012
مع قرب تسلّم بايدن السلطة، هناك أسئلة كبرى مطروحة منها: هل من السّهولة والبساطة أن تسمح الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأميركية بوصول إدارتها إلى هذا الموقع غير المتوازن دولياً؟

لا شكّ في أنَّ عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترامب كان لافتاً بغرابته غير الطبيعية، وذلك مقارنة مع مسار تاريخي من السياسة الأميركية كان دائماً مختلفاً عما شهدناه في السنوات الأربع الأخيرة، إذ كان يطبع هذه السياسة قبل الرئيس ترامب الكثير من التنوع بين الدبلوماسية والسياسة والضغوط، بحيث يبقى التواصل المتوازن قائماً مع باقي دول العالم، وعلى الأقل مع الدول الفاعلة والكبرى، وذلك إلى درجة كافية لتنفّذ واشنطن مخططاتها بالحد الأدنى، من دون الاصطدام الواسع والعنيف مع الجميع تقريباً، كما شهدنا في عهد الرئيس ترامب.

هذا الاصطدام السياسيّ والدبلوماسيّ الأميركيّ مع أغلب الدّول، والذي شكَّل مرحلة من اللاتوازن الدولي ومن تخطي الأعراف والمواثيق، يمكن تحديده بالنقاط التالية: 
أولاً: الاصطدام مع الدّول الكبرى ومع القانون الدّوليّ 
تعدّدت الاتفاقيات الدّوليّة التي انسحب منها الرئيس ترامب. وقد خرج من أغلبها، على الرغم من أنَّ الرؤساء الأميركيين السابقين كانوا من الساعين والمؤيدين، وحتى الرعاة أحياناً، لتلك الاتفاقيات، ومنها اتفاقيتا المناخ والتجارة الدولية (أدار ظهره للأخيرة بفرضه رسوماً جمركية تتجاوز سقوفها القانونية)، إضافةً إلى انسحابه من أكثرها حساسية، والمتعلّقة بنزع أو خفض أو تقييد القدرات النووية والصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، أو ما يتعلّق بمعاهدة الأجواء المفتوحة أو بمعاهدة حظر الأسلحة الكيمياوية والجرثومية، إذ انسحبت واشنطن عملياً من بعض تلك الاتفاقيات، من دون الإعلان رسمياً عن ذلك.

من جهة ثانية، خلق ترامب إشكاليّة غير مفهومة مع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مهدداً بالانسحاب منه، وذلك على خلفية تمويل ميزانيّة الحلف المذكور، متجاوزاً نظام تأسيس الأخير وتحديداً النقطة المتعلقة بطريقة التمويل ونسبة التزام كل طرف.

أيضاً، خلق الرئيس ترامب اشتباكاً خطيراً وحساساً مع الصين على خلفيات تجارية ومالية غير مبررة، أو على خلفية اتهامه بكين بالتسبب بنشر فيروس كورونا عبر العالم، ما أنتج جواً من التوتر والتشنج في شمال المحيط الهادي وفي بحر الصين الجنوبي يحمل نسبة كبيرة من إمكانية الصدام العسكري.
ثانياً: الاصطدام مع قضية فلسطين والحقوق العربية

لم يعمد أيّ رئيس أميركيّ قبل الرئيس ترامب إلى إعطاء "إسرائيل" ما أعطاها إياه الأخير على حساب الحقوق العربية والفلسطينية. لم يكن أحد من هؤلاء أساساً في أيّ فترة مع تلك الحقوق، ولكنَّ الرئيس ترامب تجاوز الجميع في قراراته ومواقفه في عدم الالتزام بأغلب ما كانت المؤسسات الدولية قد ثبتته من هذه الحقوق - على ضآلته. هذه المواقف تُلخّص بالتالي:

 - نقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة، والاعتراف بالأخيرة عاصمة لـ"إسرائيل".

 - فتح باب الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" على مصراعيه، لناحية زيادة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، وتثبيتها بشكل مخالف لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول وجوب وقف الاستيطان وإزالة أغلبها.

 - نزع صفة الأراضي المحتلة عن القسم الذي تحتلّه "إسرائيل" من الجولان السوري، بعكس نظرة وموقف الأمم المتحدة وأغلب الدول الغربية، وحتى الحليفة منها لواشنطن.

 - الدفع بكل قوة ونفوذ واشنطن دبلوماسياً ومالياً وعسكرياً لدفع دول عربية وإسلامية إلى التطبيع مع "إسرائيل" أو لتوقيع أكبر عدد من الاتفاقيات بين الأخيرة وبين دولٍ عربية، مثل الإمارات والبحرين والسودان، والحبل على الجرار.

ثالثاً: الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران

بشكل مخالف لكل الأعراف والمواثيق الدولية، ومن دون أي مبرر منطقي أو قانوني، انسحب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني المصدق من الأمم المتحدة ومن مجلس الأمن، مع فرضه عقوبات قاسية وغير إنسانية على إيران، وذلك خلافاً لكل الأعراف والقوانين الدولية. 

من هنا، هذا العدد غير البسيط من المعاهدات التي انسحب منها الرئيس ترامب، إضافةً إلى أغلب الصدامات والخلافات التي افتعلها مع الدول الكبرى وغيرها، أوحى بأنَّ الولايات المتحدة الأميركية أصبحت مع الرئيس ترامب غير مؤهلة للالتزام بأغلب ما تتعهد به إداراتها تحت سقف القانون الدولي، ما يجعلها أقرب إلى دولة مارقة خارجة عن المجتمع الدولي ومؤسساته. 

كل ذلك في الوقت الذي لا يمكن لهذا المجتمع أن يتغاضى أو يتجاوز الموقف أو الموقع الأميركي بتاتاً، أولاً بسبب القدرات الضخمة التي تملكها الولايات المتحدة الأميركية، وثانياً بسبب نفوذ الأخيرة حول العالم، وقدرتها الواضحة على التأثير في أغلب الملفات الدولية بشكل مباشر.

الآن، ومع قرب تسلّم الرئيس المنتخب جو بايدن السلطة، هناك أسئلة كبرى يجب طرحها ومحاولة الوقوف على أبعادها، وهي:

هل من السّهولة والبساطة أن تسمح الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأميركية بوصول إدارتها إلى هذا الموقع غير المتوازن دولياً؟ وهل يمكن لأيّ رئيس أميركيّ، مهما كانت صلاحياته، استناداً إلى الدستور، أن يوجه سياسة هذه الدولة القوية والقادرة، صاحبة النفوذ الواسع في العالم، كما يريد، وتبعاً لأهوائه الشخصية؟

في الواقع، من غير المنطقي أن يكون الموضوع بهذا الشّكل وبهذه البساطة، الأمر الذي يدفعنا إلى التفكير في إطار آخر لا يمكن استبعاده، ويقوم على إمكانية وجود اتفاق عميق ومخفي بين عدد محدد من نافذي كلّ من الجمهوريين والديموقراطيين من المؤثرين في سياسة الولايات المتحدة العميقة والثابتة في كل العهود، يقضي بإيصال العالم أو على الأقل الدول الفاعلة منه، إلى المقارنة بين السيئ والأسوأ، أي بين نموذج ترامب غير المتوازن الذي أصبح الجميع تقريباً مستعدين للهروب منه في العلاقات الدولية وفي التنافس والصراع على النفوذ، ونموذج بايدن الدبلوماسي والهادئ والملتزم بتعهدات الإدارة الأميركية، فتهرع هذه الدول للاتفاق أو الاقتراب أو الاقتناع بسياسة أو نموذج بايدن المعاكس أو المختلف عن نموذج ترامب.

من جهة أخرى، تكون المرحلة اللاحقة من المناورة الأميركية (المشتركة بين الجمهوريين والديموقراطيين) إعادة فتح خطوط التواصل بين أغلب هذه الدول الّتي اصطدمت مع ترامب، ومنها الصين وروسيا وإيران والاتحاد الأوروبي والعرب غير المطبعين، وذلك على أساس تحقيق توازن المصالح، وتحت سقف المنافسة المعقولة والطبيعية غير الصدامية، بحيث تنطلق الولايات المتّحدة الأميركيّة بإدارة بايدن في تلك المفاوضات وهي تملك في الأساس نقطة رابحة قوامها رغبة الجميع وحاجتهم للاتفاق معها بنموذج بايدن الدبلوماسي الهادئ والساعي إلى إعادة التواصل الدولي، والمختلف أو المعاكس بالكامل عن نموذج ترامب الصدامي والمشاكس، والذي كان شعاره "أميركا أولاً".

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 1250
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 2876
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 3378
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 6792
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 4479
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 8354
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 5932
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 5057
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 5655
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 7177
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 6531
أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

2026-10-27 12:18 6256
أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

2026-10-27 12:08 4872
ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

2026-10-27 11:09 6602
طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-27 10:10 7673
تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

2026-10-27 08:18 5681
تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

تراجع أسعار النفط وسط تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

2026-10-27 08:11 5947
التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

التعليم توافق على تمديد التقديم على قناتي التعليم الحكومي الخاص "الموازي" والتعليم الأهلي

2026-10-27 00:14 10979