المطلع
عاجل

post-image

اعتقالات واسعة في أنقرة... بين مكافحة الفساد واستهداف المعارضين


23:23 تقارير عربية ودولية
2025-07-24
72656

تشهد تركيا حالياً مرحلة دقيقة على الصعيدين السياسي والقضائي، وسط تصعيد غير مسبوق في وتيرة الاعتقالات التي استهدفت شخصيات بارزة من المعارضة، وفي مقدمتهم أبرز من يُعتبرون منافسين للرئيس رجب طيب أردوغان.

وكشفت مراجعة أجرتها رويترز وتابعتها "المطلع" عن توقيف أكثر من "500" شخص خلال تسعة أشهر فقط، بينهم "14" رئيس بلدية من حزب الشعب الجمهوري، المعارض الرئيسي في البلاد، وعلى رأسهم أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، والمنافس الأبرز لأردوغان في أيّ استحقاق انتخابي مقبل.

ويرى مراقبون أن:"هذه الأرقام وحدها كافية لتأطير الحملة ضمن أزمة سياسية عميقة، لكن السياق الذي تجري فيه الأحداث يكشف عن أبعاد تتجاوز ما تقدمه السلطات كـ"تحقيق جنائي" في قضايا فساد.

ومنذ خسارته الكبرى في الانتخابات البلدية عام 2019، وتحديدًا في إسطنبول التي تمثل مركز الثقل السياسي والرمزي في تركيا، باتت أعين أردوغان شاخصة نحو استعادة ما اعتُبر نقطة انطلاقه إلى السلطة في التسعينات.

فخسارة إسطنبول ليست مجرد فقدان بلدية، بل تهديد مباشر للنفوذ السياسي والاقتصادي والدعائي لحزب العدالة والتنمية.

وقد اعتبر العديد من المحللين أن:"صعود إمام أوغلو، بشعبيته المتزايدة وقدرته على اجتذاب الأصوات المحافظة والليبرالية معًا، دق ناقوس خطر حقيقي في أروقة السلطة".

وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من التحولات السياسية التي تمر بها البلاد. فمنذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، جرى تعزيز قبضة أردوغان على القضاء.

ومع مرور السنوات، تكرّست حالة من التسييس العميق للمؤسسات القضائية، وهو ما أشار إليه العديد من المنظمات الحقوقية الدولية مثل (هيومن رايتس ووتش ومكتب حقوق الإنسان الأوروبي)، التي أعربت عن قلقها إزاء ما اعتبرته تآكلًا في استقلال القضاء التركي.

وصرّح وزير الثقافة والسياحة الأسبق أرطغرل جوناي، الذي كان في صفوف حزب العدالة والتنمية قبل أن يغادره عقب احتجاجات 2013، بأن:"التحقيقات الجارية لا تستند إلى أدلة واضحة، بل تُستخدم كأداة للاستنزاف السياسي".

وأكد جوناي أن:"ما يجري الآن يعكس قلقا متزايدا داخل الحزب الحاكم من تآكل شعبيته قبيل الانتخابات، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ 2018، والتي تسببت بانهيار حاد لليرة وارتفاع معدلات التضخم والبطالة".

وبينما تصر الحكومة على أن ما يجري هو "عملية قانونية وليست سياسية"، فإن واقع الحال يكشف عن انتقائية واضحة في الاستهداف.

إذ لم تُفتح أيّ قضايا في "14" مقاطعة من أصل "39" في إسطنبول التي يديرها حزب العدالة والتنمية، رغم تداول تقارير عن تجاوزات مماثلة فيها، بل إن قائمة الأسماء التي قدمتها مديرية الاتصالات التركية لرؤساء بلديات سابقين من الحزب الحاكم خضعوا للتحقيق، لم تشمل أيّ توقيفات مباشرة على ذمة المحاكمة أثناء توليهم المسؤولية، ما يعزز الانطباع بازدواجية المعايير.

وفي هذا المناخ، تبرز خطورة أن تتحوّل الحملات القضائية إلى أداة لضبط الإيقاع السياسي.

واعتبر المحامي محمد بيليفان، الموقوف مع موكله أكرم إمام أوغلو، أن:"السلطات تحاول للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية تجريم الحق في الدفاع القانوني، مشيرًا إلى أن ملف إمام أوغلو يخلو من أيّ دليل ملموس".

وكشفت وثائق التحقيق أن:"التهمة الأساسية ضده تتمثل في استخدام هاتفه لنفس البرج الخلوي الذي استخدمه مشتبه بهم آخرون، وهي حجة دحضها إمام أوغلو بالقول إن منزله في ذلك الوقت كان قريبًا من المقهى محل الادعاء".

ومع اتساع نطاق التحقيق ليشمل مدنًا كبرى مثل إزمير وأنطاليا وأضنة، وجميعها فاز بها حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات الأخيرة، يتعزز انطباع الخبراء بأن الحكومة تسعى لاحتواء المعارضة عبر القضاء قبل أن تتمكن من تحويل مكاسبها المحلية إلى تهديد وطني شامل.

ونظرًا إلى التحديات الاقتصادية المتفاقمة، وجهت حملة الاعتقالات ضربة إضافية للمشهد الاقتصادي.

فقد أشار خبراء من مؤسسة نيوبيرجر برمان إلى أن:"توقيف إمام أوغلو بالذات ساهم في زعزعة ثقة المستثمرين، ما انعكس على تراجع الليرة التركية وتخميد التوقعات المتفائلة بإمكان انحسار الأزمة الاقتصادية".

ويقول خبراء الأسواق إن:"التقلب السياسي المتزايد يصعّب من مهمة إقناع المستثمرين الأجانب بالاستثمار في بيئة تُستخدَم فيها الإجراءات القضائية ضد منافسين سياسيين، وهو ما يجعل تركيا تبدو بيئة محفوفة بالمخاطر السياسية".

ورغم تصاعد الانتقادات المحلية والدولية، ظل الموقف الغربي الرسمي متحفظًا. لكن التفسير الشائع لدى المراقبين هو أن الدول الغربية، لاسيما دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، تتجنب انتقاد أنقرة علنًا نظرًا إلى دورها المحوري في ملفات الهجرة إلى أوروبا، والموقف العسكري ضمن حلف الناتو، ونفوذها الإقليمي في الشرق الأوسط.

ويشكل هذا الصمت، بحسب بعض التحليلات، مؤشرا غربيا غير مباشر على قبول ضمني للسلوك التركي تجاه معارضيه، طالما يبقى في إطار التوازنات الواقعية الدولية.

وجعل السياق التاريخي لحزب الشعب الجمهوري كممثل للتيار العلماني وتأسيس الجمهورية الحديثة لسنوات الجهة الوحيدة القادرة على تشكيل تحدٍّ جدي لأردوغان. فهذه التجربة السياسية الراسخة والمعقّدة  بتراثها العلماني والمؤسسي جعلت من الحزب وجوهًا متعددة للحداثة والتغيير داخل النظام التركي.

ولذلك، فإن استهدافه بموجات اعتقالات قضائية وملاحقات قانونية يأتي في سياق إعادة بناء المشهد السياسي وفق معادلة "التحكم في المنافسة"، حيث يتم إخضاع الخصوم بدلًا من هزيمتهم في انتخابات مباشرة.

وما يثير الانتباه أيضًا هو الإطار القانوني والأساس الدستوري لهذه الحملة. فالدستور التركي يحدد ولايتين للرئيس، لكن الخطط المطروحة لو لجمت شعبيته المحتدمة قد تضمن إطلاق محاولة لتعديل دستوري أو تقديم الانتخابات قبل موعدها المحدد عام 2028، الأمر الذي يفسر التحرك المطّرد لتفكيك جبهة المعارضة.

وفي رأي العديد من محللي الشأن التركي، "التحكم السيادي" في مؤسسات الدولة القضائية والأمنية لم يعد خيارا بل ضرورة استعجالية لمنع أيّ تحول انتخابي قد يعيد تشكيل نظام الحكم.

ورغم أن الانتخابات الرئاسية ليست على الفور، فإن الإجراءات الجارية تتناسب مع إستراتيجية استباقية، تعكس اعتقادًا أن أفضل وسيلة لحماية السلطة هي تحييد مؤسسات البديل قبل أن تتبلور قوة سياسية جديدة.

ولهذا، يبدو أن الاعتقالات الكبيرة، وإن تبدت في ظاهرها قانونية، فإنها تستهدف بالأساس بناء بيئة سياسية مسيطر عليها، في ظل مخاوف مع وجود ثنائية جديدة في الرأي العام تظهر لأول مرة منذ سنوات.

وفي سياق التداعيات، تشير الأوساط الحقوقية إلى أن:"هذه الحملة قد تسهم في تشديد الانقسام المجتمعي، وربما تؤدي إلى تصعيد احتجاجات، كما حدث في عام 2013، لكن في بيئة سياسية واجتماعية مختلفة، قد تزيد التوتر في الداخل وتزيد من عزلة تركيا دبلوماسيًا واقتصاديًا في الخارج".

وهذا يدفع البعض للقول إن ما يجري هو اختبار حقيقي لمستقبل المشهد السياسي التركي، ولخطر إسقاط التوازن الديمقراطي لصالح ترسّخ النظام القوي.

وتبدو تركيا أمام منعطف حاسم: بين البقاء في غلاف منسّق للمنافسة القضائية، وبين الانزلاق نحو نموذج سلطوي يستند إلى تكميم المعارضة واحتوائها عبر القانون. وحين تزداد الأدلة الضمنية على تسييس القضاء، يصبح الجدل حول "مدى شرعية الحملة" أكثر حدة من أيّ وقت مضى.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

الزيدي يؤكد للشرع أهمية الشراكة الثنائية وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي والأمني

الزيدي يؤكد للشرع أهمية الشراكة الثنائية وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي والأمني

2026-10-28 15:16 1792
النعمان: ملف سنجار من الواجبات الحصرية للحكومة.. وجهود مستمرة لإعادة الإعمار والنازحين

النعمان: ملف سنجار من الواجبات الحصرية للحكومة.. وجهود مستمرة لإعادة الإعمار والنازحين

2026-10-28 13:52 3562
مكتبه: الزيدي سيجري مباحثات مع الشرع تتناول العلاقات الثنائية

مكتبه: الزيدي سيجري مباحثات مع الشرع تتناول العلاقات الثنائية

2026-10-28 13:26 2829
الشرع يستقبل الزيدي في مطار دمشق الدولي

الشرع يستقبل الزيدي في مطار دمشق الدولي

2026-10-28 13:11 3003
‏رويترز: طهران تدرس مسودة اتفاق جديدة قدمها الوسيط القطري

‏رويترز: طهران تدرس مسودة اتفاق جديدة قدمها الوسيط القطري

2026-10-28 12:20 4088
رئيس الوزراء علي الزيدي يغادر بغداد متوجهاً إلى سوريا لبحث العلاقات الثنائية

رئيس الوزراء علي الزيدي يغادر بغداد متوجهاً إلى سوريا لبحث العلاقات الثنائية

2026-10-28 12:11 3616
"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

2026-10-28 00:19 13585
أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

2026-10-27 22:49 11716
لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 6850
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 5897
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 7695
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 13519
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 6632
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 13528
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 9941
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 7796
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 8488
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 12797