المطلع
عاجل

post-image

"جيفري هينتون" يدق ناقوس الخطر أمام ثورة الذكاء الاصطناعي العالمية


18:36 تقارير عربية ودولية
2025-09-12
54578

يُعتبر جيفري هينتون أحد أبرز رواد الذكاء الاصطناعي، حيث ساهم في تطوير خوارزميات التعلم العميق التي أحدثت تحولاً كبيراً في مجال التقنية الحديثة. وتميزت مسيرته العلمية بالجمع بين الابتكار والتنبيه، إذ انتقل من تصميم النماذج الذكية إلى التحذير من مخاطرها، في خطوة نادرة تعكس وعيه العميق في تاريخ العلم.

ومع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي بشكل غير مسبوق، يتحول رواد الذكاء الاصطناعي من شخصيات تحظى بالإعجاب إلى نُذر تحمل في جعبتها تحذيرات مصيرية. جيفري هينتون، أحد “آباء” الذكاء الاصطناعي الحديث وأحد مهندسي عقله (خوارزميات التعلم العميق)، لم يعد ذلك العالِم المُتحمّس في مختبراته فحسب، بل أصبح نبيّ كوارث محتملة، أو على الأقل صافرة إنذار لا يمكن تجاهلها.

إن تحوله من باحث يسعى لتحقيق حلم الآلة التي “تتعلم” إلى مثقف يخشى أن تتجاوز هذه الآلة مُصنعيها، ليس مجرد قصة شخصية، بل هي قصة عصرنا بأكمله. إنها قصة ثورة تقنية تسبقنا فلسفيًا وأخلاقيًا، وتطرح أسئلة وجودية حول الهوية والسلطة والعدالة. والسؤال الذي يفرض نفسه: في خضم هذا التحول الجيو – تقني، أين يقف العالم العربي؟ وهل يمكن لأفكار هينتون، بتحذيراتها المتشائمة وأملها الوهَن، أن ترسم له خارطة طريق مختلفة؟

لم يكن جيفري هينتون مجرد باحث أكاديمي؛ لقد كان مهندسًا لفكرة “الذكاء الاصطناعي الذي يكتسب المعرفة بنفسه.” من تطوير خوارزمية “الانتشار الخلفي” (Backpropagation) -العمود الفقري للتعلم العميق- إلى الإشراف على شبكة “أليكس نت” (AlexNet) التي أحدثت زلزالًا في مجال الرؤية الحاسوبية عام 2012، ساهم هينتون في نقل الذكاء الاصطناعي من حيز النظريات والمختبرات إلى صميم حياتنا اليومية.

وُلد هينتون في لندن عام 1947، ونشأ في بيئة علمية دفعت به مبكرًا نحو دراسة علم النفس التجريبي، قبل أن يتحول إلى الذكاء الاصطناعي، المجال الذي سيكرّس له حياته ويترك فيه بصمة لا تُمحى.

حصل على الدكتوراه من جامعة إدنبرة عام 1978، في وقت كانت فيه الشبكات العصبية مجرد فكرة هامشية في علوم الحاسوب. لكن هينتون آمن بها، وواصل تطويرها رغم موجات التشكيك التي واجهها من المجتمع الأكاديمي.

في عام 1986 شارك في نشر ورقة علمية حول خوارزمية “الانتشار الخلفي”، التي مكّنت الشبكات العصبية من التعلم من الأخطاء، وكانت بمثابة نقطة تحول في تاريخ الذكاء الاصطناعي.

انتقل هينتون بين جامعات مرموقة مثل كارنيغي ميلون، وكلية لندن الجامعية، وجامعة تورنتو، حيث أسّس مختبرًا بحثيًا أصبح لاحقًا منبعًا لأهم الابتكارات في التعلم العميق.

من أبرز إنجازاته إشرافه على تطوير شبكة “أليكس نت”، التي تفوقت بشكل مذهل في تحدي ImageNet، وأثبتت أن الشبكات العصبية يمكنها التفوق على النماذج التقليدية في التعرف على الصور. هذا النجاح دفع شركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها غوغل، إلى الاستثمار في هذا المجال، حيث انضم هينتون لاحقًا إلى فريق “غوغل برين”.

حصل هينتون على العديد من الجوائز، أبرزها جائزة تورنغ عام 2018، التي تُعد بمثابة “نوبل علوم الحاسوب”، إلى جانب يوشوا بنجيو ويان ليكون. كما نال وسام كندا، وزمالة الجمعية الملكية البريطانية، وجائزة أميرة أستورياس للبحث العلمي والتقني.

اليوم، يُنظر إلى جيفري هينتون ليس فقط بوصفه عالمًا بارعًا، بل كمفكر أخلاقي في زمن الخوارزميات. أفكاره تُلهم الباحثين وصناع القرار لإعادة التفكير في الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كأداة تقنية، بل كقوة معرفية يجب أن تُدار بحكمة. في عالم يزداد اعتمادًا على الآلة، يذكّرنا هينتون بأن الذكاء الحقيقي لا يكمن في القدرة على التعلم فقط، بل في القدرة على التوقف والتأمل في ما نتعلمه، ولماذا.

لكن المفارقة المأساوية التي تطبع مسيرته هي أن ذروة إنجازه التقني تزامنت مع ذروة قلقه الوجودي.

منذ استقالته من غوغل في عام 2023، أصبح صوته أحد أعلى الأصوات تحذيرًا من المخاطر الكامنة في هذه التقنية. هو لم يقل “لقد أخطأت،” بل قال شيئًا أكثر عمقًا: “لقد ساعدت في بناء شيء قد يصبح أكثر ذكاءً من البشر… ولا أعتقد أن هذا أمر جيد بالضرورة.” هذا التحول يعكس نضجًا فكريًا نادرًا، نضجًا يجبرنا على طرح سؤال جوهري: هل نحن نستثمر كل طاقاتنا في تطوير أدوات تفوق قدرتنا على فهمها وإدارتها أخلاقيًا؟ إنه سؤال الفلسفة الذي طالما تأخر عن سؤال التقنية.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين الإنتاجية أو تحليل البيانات؛ لقد تجاوز ذلك ليكون شريكًا معرفيًا، بل ووكيلاً يتخذ القرارات في مجالات حساسة مثل الطب والقضاء والتمويل، وحتى الإبداع الفني والأدبي. هذه النقلة النوعية تطرح تحديات أخلاقية وفلسفية لم نستعد لها بعد:

مسألة المسؤولية: من يتحمل المسؤولية عندما تخطئ سيارة ذاتية القيادة؟ أو عندما يتسبب نموذج طبي قائم على الذكاء الاصطناعي في تشخيص خاطئ؟ النظام القانوني الحالي قائم على فكرة “الفاعل”، فكيف سنتعامل مع “فاعل” لا وعي له؟

مسألة القيم: هل يمكن لخوارزمية تتغذى على كميات هائلة من البيانات البشرية -بكل تحيزاتها وتناقضاتها- أن تتبنى قيمًا إنسانية حقيقية؟ أم أنها ستعيد إنتاج تحيزاتنا وتضفي عليها طابعًا “موضوعيًا” مزيفًا؟

مسألة الهوية والخصوصية: في ظل أنظمة تتعلم من كل كلمة نكتبها، وصورة ننشرها، ومكالمة نجريها، كيف نحافظ على مساحة خاصة لنا؟ كيف نمنع تحولنا إلى مجرد وقود خام لتدريب آلات لا نتحكم فيها؟

هينتون يرى أن هذه الأسئلة تُهمش في خضم السباق المحموم بين الشركات العملاقة (مثل غوغل ومايكروسوفت) والدول (مثل الولايات المتحدة والصين) لتطوير نماذج أكبر وأقوى. وهو يحذر من أن هذا السباق لا يأخذ في الاعتبار المخاطر الوجودية، مثل إمكانية أن يتمكن أي شخص، بمساعدة مساعد ذكي، من تطوير أسلحة بيولوجية، مشبهًا إياها بـ”قنبلة نووية يصنعها هاوٍ.” الخطر هنا ليس في تقنية الذكاء الاصطناعي نفسها، بل في النظام الاقتصادي – السياسي العالمي الذي يوجهها؛ نظام رأسمالي، كما يرى هينتون، يضع تعظيم الأرباح للقلة فوق تحسين حياة الكثرة.

السياق العربي الواقع بين فخ الاستهلاك وأمل التأطير الذكي يقدم حالة دراسة مثيرة. فمن ناحية، يشهد العالم العربي تبنيًا متسارعًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية (الذكية)، والإعلام، والتعليم، والخدمات المالية. ولكن في الغالبية العظمى من الحالات، يأتي هذا التبني من موقع “المستهلك” لا “المطور” أو “المُنظِّم”. نحن نستخدم منصات وخدمات ونماذج لغوية مُصممة في أماكن أخرى، تحمل في طياتها قيمًا وانزياحات ثقافية قد لا تتوافق مع سياقنا.

هنا بالضبط تكمن الفرصة التي تقدمها لحظة هينتون التحذيرية. فبدلاً من الانجراف وراء موجة الاستهلاك، يمكن للعالم العربي أن يتبنى نهجًا أكثر ذكاءً وتأصيلاً:

هل يمكن لخوارزمية تتغذى على كميات هائلة من البيانات البشرية -بكل تحيزاتها وتناقضاتها- أن تتبنى قيمًا إنسانية حقيقية؟
بناء نماذج لغوية عربية أصلية: بدلاً من الاعتماد على نماذج مترجمة أو مُدربة على بيانات غربية primarily، يجب استثمار الجهد في بناء نماذج لغوية عربية ضخمة تُدرك تعقيدات اللغة، وتفاصيلها الثقافية، وقيمها الأصيلة. هذا ليس مشروعًا تقنيًا فحسب، بل هو مشروع حضاري لحماية الهوية في العصر الرقمي.

تطوير أطر تنظيمية رشيدة وسريعة: يجب أن تسبق السياسات والتشريعات التطور التقني، لا أن تأتي بعده بسنوات. على الحكومات العربية تطوير أطر قانونية تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتضمن الشفافية، وتحارب التحيز الخوارزمي، وتحمي بيانات المواطنين بصرامة. يجب أن نتعلم من درس الغرب الذي “تغلب فيه اعتبارات الاقتصاد على القلق الأخلاقي.”

إدماج نقدي في التعليم: يجب إدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته في المناهج التعليمية، ليس بهدف التلقين، بل بهدف تنمية التفكير النقدي لدى الأجيال القادمة؛ أن يفهم الطالب كيف تعمل هذه الأدوات، وما حدودها، وكيف يمكن أن يُساء استخدامها.

خلق حوار ثقافي جاد: يمكن للمنصات الثقافية الراسخة في العالم العربي (مثل موسم أصيلة ومعارض الكتاب الكبرى والملتقيات الفكرية) أن تتحول إلى ساحات حوار تجمع التقنيين والفلاسفة والفنانين والمشرعين لرسم معالم رؤية عربية للعلاقة بين الإنسان والآلة. رؤية لا تنفصل عن سؤال العدالة الاجتماعية الذي أشار إليه هينتون، وتحذيره من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد الهوة بين الأغنياء والفقراء.

هذه ليست النهاية.. بل البداية الواعية. أفكار جيفري هينتون لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح الباب أمام مراجعة فلسفية وتقنية شاملة لمسار التطور التكنولوجي. إنه يذكرنا بأن الذكاء الحقيقي ليس فقط في القدرة على التعلم والحساب، بل في القدرة على التوقف والتأمل والتقييم الأخلاقي قبل فوات الأوان.

في العالم العربي، حيث لا تزال العلاقة مع الذكاء الاصطناعي في مراحلها التكوينية، لدينا فرصة ثمينة -ربما ضائعة في أماكن أخرى- لاختيار مسار مختلف. مسار لا يكرر أخطاء سباق التسلح التقني والاقتصادي، بل يتبنى نموذجًا إنسانيًا وأخلاقيًا. نموذج لا يكتفي بتقليد المنتج الغربي أو الشرقي، بل يعيد صياغة المستقبل الرقمي بما يتناسب مع طموحاتنا وقيمنا وهويتنا الجماعية. كما قال هينتون، نحن حقًا نعيش لحظة “مذهلة” في التاريخ، والخيار بين أن يكون هذا الذهول خيرًا أو شرًا هو مسؤوليتنا الجماعية. والوعي هو أول خطوات المسؤولية.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

النعمان: ملف سنجار من الواجبات الحصرية للحكومة.. وجهود مستمرة لإعادة الإعمار والنازحين

النعمان: ملف سنجار من الواجبات الحصرية للحكومة.. وجهود مستمرة لإعادة الإعمار والنازحين

2026-10-28 13:52 558
مكتبه: الزيدي سيجري مباحثات مع الشرع تتناول العلاقات الثنائية

مكتبه: الزيدي سيجري مباحثات مع الشرع تتناول العلاقات الثنائية

2026-10-28 13:26 1137
الشرع يستقبل الزيدي في مطار دمشق الدولي

الشرع يستقبل الزيدي في مطار دمشق الدولي

2026-10-28 13:11 1317
‏رويترز: طهران تدرس مسودة اتفاق جديدة قدمها الوسيط القطري

‏رويترز: طهران تدرس مسودة اتفاق جديدة قدمها الوسيط القطري

2026-10-28 12:20 2994
رئيس الوزراء علي الزيدي يغادر بغداد متوجهاً إلى سوريا لبحث العلاقات الثنائية

رئيس الوزراء علي الزيدي يغادر بغداد متوجهاً إلى سوريا لبحث العلاقات الثنائية

2026-10-28 12:11 2623
"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

2026-10-28 00:19 12342
أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

2026-10-27 22:49 10902
لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 6812
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 5617
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 7253
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 12914
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 6319
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 12858
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 9181
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 7454
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 8090
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 11751
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 9807