المطلع
عاجل

post-image

الشرع بالذكرى الأولى: خطاب يؤسّس لشرعية جديدة من قلب التاريخ السوري


15:52 تقارير عربية ودولية
2025-12-09
44681

في الذكرى السنوية الأولى للتحول السياسي الأكبر في تاريخ سوريا الحديث، تبرز مشاهد رمزية مكثفة تتمزج فيها الدلالة الدينية بالبعد السياسي، في بلد ما زال يبحث عن توازن جديد بعد سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024.

وفي مشهد تتداخل فيه الرمزية بالديني، ويتقاطع فيه السياسي مع التحولات العميقة التي تعيشها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، اختار الرئيس السوري أحمد الشرع أن يحيي الذكرى السنوية الأولى لهذا الحدث المفصلي من المسجد الأموي في دمشق.

ولم يكن هذا الاختيار مجرد تحديد مكان لإلقاء كلمة، بل بدا أقرب إلى إعلان مُحكم لمعالم مرحلة جديدة تسعى فيها السلطة إلى تثبيت شرعيتها عبر توظيف الإرث التاريخي والديني لأحد أهم المعالم الإسلامية في بلاد الشام.

ومنذ ساعات الفجر الأولى، ظهر الشرع على نحو مدروس وهو يؤدي صلاة الفجر في المسجد الأموي، في مشهد نقلته رئاسة الجمهورية ووكالة “سانا” الرسمية بوصفه احتفالاً بـتحرير سوريا.

وتزامن الحدث مع إطلاق “تكبيرات النصر” في مساجد دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس وحماة وإدلب، في محاولة واضحة لصناعة مناخ تعبوي يكرّس سردية التفوق السياسي وطي صفحة الماضي.

وكانت الكلمة التي ألقاها الشرع عقب الصلاة بمثابة بيان سياسي متعدد الطبقات، حمل رسائل موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد.

واستهل الرئيس خطابه بعبارة "أطيعوني ما أطعت الله فيكم"، وهي جملة ذات دلالات فقهية وسياسية تستحضر صيغاً قديمة من علاقة الحاكم بالمحكوم.

ويشير محللون أن:"هذا الاستدعاء الديني ليس مجرد زخرفة لغوية، بل محاولة لتشكيل قاعدة أخلاقية للسلطة، تقوم على ربط شرعية القيادة بالتقوى والالتزام بالقيم الإسلامية".

وفي بلد شهد انقسامات عميقة وصراعاً مدمراً، تسعى السلطة عبر هذا الخطاب إلى تقديم نفسها بوصفها قيادة "عادلة" و"نظيفة" أخلاقياً، قادرة على تجاوز ممارسات الماضي.

ولكن قوة الخطاب لا تكمن في رمزيته وحسب، بل في محاولته رسم صورة لقائد واثق من نفسه، يَعِد بأن "لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبر أو عظم".

ويشي هذا النوع من الخطاب برغبة شديدة في تثبيت الهيبة السياسية، وإرسال رسالة بأن المرحلة الحالية ليست انتقالية أو هشة، بل هي بداية لترسُّخ نظام جديد يرى في نفسه صاحب القرار الأخير على الأرض السورية. غير أنّ مثل هذه العبارات، رغم أنها تخاطب الحاضنة الشعبية الموالية، تظهر أيضاً حجم التحديات التي تدركها القيادة: إذ لا حاجة لتأكيد القوة إلا عندما يكون هناك احتمال شعبي أو خارجي للشك فيها.

وفي تطرقه إلى مستقبل سوريا، حاول الشرع تقديم رؤية جامعة، تُخاطب جغرافيا البلاد كلها، لا سيما بعد سنوات من الانقسام الإقليمي والسياسي وظهور سلطات موازية.

وكلمة الشرع في الذكرى الأولى بمثابة بيان سياسي متعدد الطبقات، حمل رسائل موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد.

ويحمل تعهّده بإعادة بناء سوريا "من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها" رغبة في ترميم السيادة الوطنية ووضع حد لمرحلة التشتت.

إلا أن هذه الوعود، رغم وقعها العاطفي، تبقى في إطار الرؤية العامة؛ فلا تفاصيل واضحة حول آليات إعادة الإعمار، أو مصادر التمويل، أو كيفية استعادة ثقة المستثمرين والدول التي سبق أن ساهمت في إعادة الإعمار قبل الحرب أو خلالها.

وإضافة إلى ذلك، ثمة حاجة إلى منظومة سياسية وإدارية شفافة تضمن استعادة ثقة المواطن بعد عقود من الفساد وغياب الحوكمة.

ويشكل خطاب الشرع في هذا السياق إعلان نوايا أكثر منه برنامجاً عملياً، لكنه يعكس إدراكاً بأن المرحلة القادمة ستحدد مصير النظام الجديد وقدرته على البقاء.

واللافت أيضاً في خطاب الشرع هو إصراره على خطاب "نصرة المستضعفين" و"العدالة بين الناس".

ويعكس هذا التوجه محاولة لرسم صورة أخلاقية للسلطة تختلف عن النموذج الأمني الصارم الذي طبع مرحلة الأسد، لكنه أيضاً مؤشر على إدراك القيادة الجديدة بأن الوقت قد حان لتقديم عقد اجتماعي مختلف يلحظ أن الشعب لم يعد يقبل بسياسات الإهمال والتهميش وغياب العدالة.

إلا أن ترجمة هذا الخطاب إلى منظومة تشريعية ومؤسساتية تتطلب إرادة سياسية جدية وإصلاحات عميقة، وهو ما لا تظهر ملامحه بشكل واضح حتى الآن.

ومن جهة أخرى، يحمل اختيار المسجد الأموي لإحياء الذكرى رسالة مركّبة: فهو ليس فقط رمزاً دينياً، بل رمزاً للدولة السورية التاريخية ومركزاً سياسياً غير معلن.

وعبر التاريخ، استخدم الحكام هذا الموقع لإضفاء الشرعية على سلطتهم، ما يجعل استحضاره في هذه اللحظة محاولة لإعادة ربط الدولة بعمقها الحضاري.

وبهذا المعنى، لا يقدم الشرع نفسه كزعيم سياسي فقط، بل كحامل لإرث تاريخي يريد أن يعيد لسوريا مكانتها التي تضررت بفعل الحرب والانقسام.

ومع ذلك، فإن هذا البعد الرمزي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتثبيت شرعية مستدامة. فالمشهد السوري اليوم أكثر تعقيداً من أن يُحل عبر الخطابات والتقاليد الرمزية. هناك تحديات أمنية في بعض المناطق، وتوترات قبلية ومناطقية، ونفوذ خارجي لا يزال مؤثراً. كما أن المجتمع السوري خرج من الحرب بتعب شديد، وانقسام اجتماعي يحتاج إلى مصالحة حقيقية لا يمكن بناؤها دون آليات واضحة، وعدالة انتقالية، ومبادرات لإعادة دمج المجتمعات المتضررة.

وفي سياق العلاقات الخارجية، يطمح الشرع إلى إعادة سوريا إلى النظام الإقليمي والدولي، لكن الطريق ليس سهلاً.

وبالرغم من التحسن التدريجي في بعض العلاقات العربية، فإن القوى الدولية ما تزال تراقب الوضع بحذر، ولا توجد ضمانات بأن عملية إعادة الإعمار ستكون مدعومة دولياً، خصوصاً وأن القوى الكبرى تربط أي دعم بتسوية سياسية شاملة.

ولم يتطرق خطاب الشرع مباشرة إلى هذه الإشكالات، لكنه حاول أن يعطي انطباعاً بأن القيادة الحالية مستعدة لخوض هذا المسار بثقة، رغم غياب رؤية دبلوماسية معلنة.

وأما على الصعيد الشعبي، فإن خطاب الشرع يبدو مصمماً لبناء حالة من الالتفاف الوطني حول القيادة، من خلال خطاب ديني ووطني. لكنه في الوقت نفسه يلقي على كاهل المواطنين مسؤولية المشاركة في "مواجهة التحديات".

وهذا الخطاب الذي يجمع بين الاستنهاض والتحشيد هو خطاب معتاد في المراحل الانتقالية، لكنه يحتاج إلى ترجمة عملية تضمن للمواطن أن تضحياته لن تذهب سدى، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية التي يعيشها السوريون.

ورغم أن السنة الأولى من حكم الشرع مثّلت مرحلة تركيز على تثبيت السلطة واستعادة المؤسسات، إلا أن السنة الثانية ستكون اختباراً حقيقياً لقدرته على تحويل خطاب المسجد الأموي إلى واقع ملموس.

ولن يتوقف حدود نجاحه على قدرة الدولة على إعادة الإعمار فحسب، بل على قدرتها على إعادة بناء الثقة، وإحلال الاستقرار، وتقديم نموذج مختلف عن الفساد والسلطوية الذي ارتبط بعقود ما قبل سقوط نظام الأسد.

ويعكس هذا التقرير حالة الانتظار والترقب التي تعيشها سوريا اليوم، بين خطاب يحمل وعوداً واسعة ورموزاً دينية وسياسية ثقيلة الدلالة، وبين واقع مليء بالتحديات المعقدة.

وفيما يحاول الرئيس أحمد الشرع ترسيخ ملامح لمرحلة مختلفة، فإن نجاح المشروع الجديد سيُقاس بقدرته على تحويل هذا الخطاب إلى إصلاحات ملموسة تعيد اللحمة للسوريين وتضع البلاد على طريق الاستقرار بعد سنوات من الانهيار والصراع.
المصدر: صحيفة العرب + المطلع.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

إيران تؤكد تلقيها رسالة أمريكية بلهجة متغيرة وتستبعد تعديل العقيدة النووية

إيران تؤكد تلقيها رسالة أمريكية بلهجة متغيرة وتستبعد تعديل العقيدة النووية

2026-10-31 21:15 2277
واشنطن: منفتحون على الحلول الدبلوماسية مع إيران.. ولم يُتخذ قرار عسكري

واشنطن: منفتحون على الحلول الدبلوماسية مع إيران.. ولم يُتخذ قرار عسكري

2026-10-31 20:00 3221
مع إغلاق البورصات.. الدولار يستقر في بغداد ويرتفع بأربيل

مع إغلاق البورصات.. الدولار يستقر في بغداد ويرتفع بأربيل

2026-10-31 19:53 3349
بالوثيقة.. ضوابط وآليات أداء امتحانات الدور الثالث للعام الدراسي 2025–2026

بالوثيقة.. ضوابط وآليات أداء امتحانات الدور الثالث للعام الدراسي 2025–2026

2026-10-31 16:08 6398
القائد العام للقوات المسلحة يترأس اجتماعاً لتعزيز الأمن والاستقرار

القائد العام للقوات المسلحة يترأس اجتماعاً لتعزيز الأمن والاستقرار

2026-10-31 16:03 4509
المركزي ينفي صدور قرار بتخفيض رؤوس أموال شركات تجارة الذهب

المركزي ينفي صدور قرار بتخفيض رؤوس أموال شركات تجارة الذهب

2026-10-31 15:01 5331
المرشد الإيراني يوجه برفع الجاهزية القتالية وتحديث بنك الأهداف العسكرية

المرشد الإيراني يوجه برفع الجاهزية القتالية وتحديث بنك الأهداف العسكرية

2026-10-31 14:01 5648
​المالية النيابية تؤكد مساعي إضافة درجات وظيفية جديدة بموازنة العام المقبل

​المالية النيابية تؤكد مساعي إضافة درجات وظيفية جديدة بموازنة العام المقبل

2026-10-31 13:33 6061
واشنطن تدرس نقل قواعدها العسكرية بعيداً عن إيران إثر خسائر موجعة

واشنطن تدرس نقل قواعدها العسكرية بعيداً عن إيران إثر خسائر موجعة

2026-10-31 12:18 4856
قائمة بأسعار الدولار في افتتاح تداولات الأسبوع

قائمة بأسعار الدولار في افتتاح تداولات الأسبوع

2026-10-31 11:19 5167
ختام الجولة 12 لدوري نجوم العراق اليوم بـ4 مواجهات أبرزها الشرطة ونوروز

ختام الجولة 12 لدوري نجوم العراق اليوم بـ4 مواجهات أبرزها الشرطة ونوروز

2026-10-31 10:05 5329
العراق.. أمطار خفيفة وتباين في درجات الحرارة

العراق.. أمطار خفيفة وتباين في درجات الحرارة

2026-10-31 09:04 6291
انفجار ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم بحري جنوب مضيق هرمز

انفجار ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم بحري جنوب مضيق هرمز

2026-10-31 00:00 7282
ترامب: محادثات جارية مع إيران وحربنا معها ليست تقليدية

ترامب: محادثات جارية مع إيران وحربنا معها ليست تقليدية

2026-10-30 23:41 6461
قصف يمني يستهدف مطار عدن الدولي وقصر المعاشيق وسط توتر واسع

قصف يمني يستهدف مطار عدن الدولي وقصر المعاشيق وسط توتر واسع

2026-10-30 22:30 6595
متحدث الحكومة ينفي التوجه لاقتراض 16 تريليون دينار لسد عجز الموازنة

متحدث الحكومة ينفي التوجه لاقتراض 16 تريليون دينار لسد عجز الموازنة

2026-10-30 21:28 9640
كربلاء يخطف تعادلاً ثميناً من الطلبة بهدفين في قمة دوري نجوم العراق

كربلاء يخطف تعادلاً ثميناً من الطلبة بهدفين في قمة دوري نجوم العراق

2026-10-30 20:38 7838
ابتكار علاجات جرثومية مخصصة بالذكاء الاصطناعي يفتح باباً لمعركة طبية

ابتكار علاجات جرثومية مخصصة بالذكاء الاصطناعي يفتح باباً لمعركة طبية

2026-10-30 20:30 8949